فهرس الكتاب

الصفحة 40 من 348

ونختم هذه النقولات عن شيخ الإسلام، بنص قيم يبين فيه أن الرجل لا يعتبر مبتدعًا إلا بمخالفته أمرًا مجمعًا عليه، أما الخلاف في مسائل الاجتهاد فلا تبديع فيه، يقول: ( .. والبدعة التي يعد بها الرجل من أهل الأهواء، ما اشتهر عند أهل العلم، بالسنة مخالفتها للكتاب والسنة، كبدع الخوارج والروافض والقدرية والمرجئة ) [1]

ويقول أيضًا: (من خالف الكتاب المستبين، والسنة المستفيضة، أو ما أجمع عليه سلف الأمة خلافًا لا يعذر فيه، فهذا يعامل بما يعامل به أهل البدع .... ) [2]

والخلاصة في هذا المبحث (أن الأصل في الشرع هو هجر المبتدع لكل ليس عامًا في كل حال ومن كل إنسان ولكل مبتدع، وترك الهجر والإعراض عنه بالكلية، تفريط على أي حال وهجر لهذا الواجب الشرعي المعلوم وجوبه بالنص والإجماع وأن مشروعية الهجر هي في دائرة ضوابطه الشرعية المبنية على رعاية المصالح ودرء المفاسد، وهذا مما يختلف باختلاف البدعة نفسها، واختلاف مبتدعها واختلاف أحوال الهاجرين، واختلاف المكان والقوة والضعف، والقلة والكثرة ... ) [3] .

الكلام في هذه المسائل ينبني عليه أحكام دنيوية وأخروية كثيرة، لا مجال لتفصيلها، ومن هنا حذر أهل العلم من الكلام في ذلك بغير حجج شرعية واضحة، يقول الإمام الشوكاني - رحمه الله - (اعلم أن الحكم على الرجل المسلم بخروجه من دين الإسلام، ودخوله في الكفر لا ينبغي لمسلم يؤمن بالله واليوم الآخر أن يقدم عليه إلا ببرهان أوضح من شمس النهار، فإنه قد ثبت في الأحاديث الصحيحة المروية عن جماعة من الصحابة أن من قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما ) ) [4] ، ويحذر الشيخ عبد الله بن محمد عبد الوهاب - رحمه الله - من الكلام في هذه المسائل، والحكم على الناس بغير علم فيقول: (وبالجملة فيجب على من نصح نفسه ألاَُ يتكلم في هذه المسألة إلاّ بعلم وبرهان من الله، وليحذر من إخراج رجل من الإسلام بمجرد فهمه واستحسان عقله، فإن إخراج رجل من الإسلام، أو إدخاله فيه من أعظم أمور الدين .. وقد استزل الشيطان أكثر الناس في هذه المسألة، فقصر بطائفة فحكموا بإسلام من دلت نصوص الكتاب والسنة والإجماع على كفره، وتعدى بآخرين فكفروا

(1) نفسه 35/ 414

(2) نفسه 24/ 172، وانظر 4/ 425

(3) هجر المبتدع 41، ولبيان مواقف السلف من المبتدعة انظر الاعتصام 1/ 167 - 177، والإبانة لابن بطة 2/ 429 - 482، شرح السنة للبغوي 1/ 210 - 230، شرح أصول الاعتقاد اللالكائي 1/ 114 - 150 الشريعة للآجري 54 - 66، والاعتقاد للبيهقي 236 - 239، البدع والنهي عنها لابن وضاح القرطبي 47 - 53، وانظر نصوصًا لشيخ الإسلام في هذا الأمر في معالم الانطلاقة الكبرى 149 - 164، وانظر تفصيلًا جيدًا لأحكام المبتدعة وحالاتهم في كتاب حقيقة البدعة وأحكامها لسعيد بن ناصر الغامدي 2/ 223 - 374 وهو من أفضل الكتب المعاصرة عن البدعة وأحكامها وانظر، رسالة الشيخ بكر أبو زيد (( هجر المبتدع ) )فهي رغم صغر حجمها متميزة في بابها.

(4) السيل الجرار 4/ 578.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت