فهرس الكتاب

الصفحة 235 من 348

هناك مسائل وأصول لا خلاف في عذر المتأول فيها ممن لم تقم عليه الحجة، ومن أبرز ذلك التأويل في استحلال المحرمات الظاهرة المتواترة، أو جحد وجوب الواجبات الظاهرة المتواترة، أو بعض تأويلات المعتزلة والمرجئة والجهمية، ونحوهم حيث يستندون ببعض الشبه النصية، وكذلك هناك تأويلات لا خلاف في عدم العذر بها كتأويلات الباطنية، والفلاسفة وغيرهم من الغلاة، وبين ذلك أصول تختلف الأنظار والاجتهادات في العذر من عدمه. يقول الإمام الشافعي - رحمه الله - حاكيًا الإجماع على قبول شهادة أهل الأهواء وإن تأولوا واستحلوا المحرمات: ( .. فلم نعلم أحدًا من سلف الأمة يقتدى به، ولا من التابعين بعدهم رد شهادة أحد بتأويل وإن خطأه وضلله، ورآه استحل فيه ما حرم عليه، ولا شهادة أحد بشيء من التأويل كان له وجه يحتمله، وإن بلغ فيه استحلال الدم والمال أو المفرط من القول، وذلك أنا وجدنا الدماء أعظم ما يعرض الله بها بعد الشرك، ووجدنا متأولين يستحلونها بوجوه، وقد رغب لهم نظراؤهم عنها وخالفوهم فيها، ولم يردوا شهادتهم بما رأوا من خلافهم فكل مستحل بتأويل من قول أو غيره فشهادته ماضية ولا ترد من خطأ في تأويله ... ) ) [1] (وهذا الكلام من الإمام الشافعي يدل على إعذاره المتأولين ممن يستحلون المحرمات، ولو كانوا كفارًا لم تقبل شهادتهم، وأطال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - في بيان أن الوعيد لا يلحق المعين إلا بتوفر شروط وانتفاء الموانع، وضرب لذلك أمثلة كثيرة منها، من استحل بعض صور الربا ببعض التأويلات، كما أفتى بذلك بع-ض أئمة السلف، قال - رحمه الله:( ... لا يحل لمسلم أن يعتقد أن أحدًا منهم بعينه أو من قلده بحيث يجوز تقليده: تبلغهم لعنة آكل الربا، لأنهم فعلوا ذلك متأولين تأويلًا سائغًا في الجملة .. ) ، وكذلك قال عن بعض ما يستحلون بعض الأشربة من جنس الخمر: (وقد كان رجال من أفاضل الأمة علمًا وعملًا من الكوفيين يعتقدون أن لا خمر إلا من العنب، وأن ما سوى العنب والتمر لا يحرم من نبيذه إلا مقدار ما يسكر، ويشربون ما يعتقدون حله، فلا يجوز أن يقال: إن هؤلاء مندرجون تحت الوعيد، لما كان لهم من العذر الذي تأولوا به، أو لموانع أخرى ... وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم:(إذا التقى المسلمان بسيفهما، فالقاتل والمقتول في النار ) ) [2] (، يجب العمل به في تحريم قتال المؤمنين بغير حق، ثم إنا نعلم أن أهل الجمل وصفين ليسوا في النار، لأن لهم عذرًا وتأويلًا في القتال، وحسنات منعت المقتضى أن يعمل عمله) إلى أن يقول: (وهذا باب واسع، فإنه يدخل فيه جميع الأمور المحرمة

(1) الأم 6/ 205، 206.

(2) رواه البخاري، الإيمان، باب (وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا .. الآية) 1/ 81، وفي الديات، وفي الفتن، ومسلم في الفتن (باب إذا التقى المسلمان بسيفهما) رقم 2888، أبو داود في الفتن (باب النهي عن القتال في الفتنة رقم 4268، والنسائي، في تحريم الدم، باب تحريم القتل 7/ 125 من طريق أبي بكرة) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت