فهرس الكتاب

الصفحة 166 من 348

1 -لعل من أشهر الأدلة وأصرحها في هذه المسألة حديث الرجل من بني إسرائيل الذي أمر أهله بإحراقه، و إليك نصه، عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم- قال:"كان رجل يسرف على نفسه، فلما حضره الموت قال لبنيه: إذا أنا مت فأحرقوني، ثم اطحنوني، ثم ذروني في الريح، فوالله لئن قدر الله علي ليعذبني عذابًا ما عذبه أحدًا، فلما مات فعل به ذلك، فأمر الله الأرض فقال: اجمعي ما فيك منه، ففعلت فإذا هو قائم، فقال: ما حملك على ما صنعت؟ قال: يا رب خشيتك، فغفر له" [1]

قال شيخ الإسلام ابن تيمية معلقًا على هذا الحديث: (فهذا الرجل ظن أن الله لا يقدر عليه إذا تفرق هذا التفرق، فظن أنه لا يعيده إذا صار كذلك، وكل واحد من إنكار قدرة الله تعالى، وإنكار معاد الأبدان و إن تفرقت كفر، لكنه كان مع إيمانه بالله وإيمانه بأمره وخشيته منه جاهلًا بذلك، ضالًا في هذا الظن مخطئًا، فغفر الله له ذلك، والحديث صريح في أن الرجل طمع أن لا يعيده إذا فعل ذلك، وأدنى هذا أن يكون شاكًا في المعاد، وذلك كفر إذا قامت حجة النبوة على منكره حكم بكفره ... .) [2] ، وقال في موضع آخر:(فهذا الرجل كان قد وقع له الشك، والجهل في قدرة الله تعالى على إعادة ابن آدم بعدما أحرق وذري، وعلى أنه يعيد الميت ويحشره إذا فعل به ذلك، وهذان أصلان عظيمان:

"أحدهما"متعلق بالله تعالى، وهو الإيمان بأنه على كل شيء قدير.

"والثاني": متعلق باليوم الآخر، وهو الإيمان بأن الله يعيد هذا الميت، ويجزيه على أعماله، ومع هذا فلما كان مؤمنًا بالله في الجملة، ومؤمنًا باليوم الآخر في الجملة، وهو أن الله يثيب ويعاقب بعد الموت، وقد عمل عملًا صالحًا - وهو خوفه من الله أن يعاقبه على ذنوبه - غفر الله له بما كان فيه من الإيمان بالله واليوم الآخر والعمل الصالح) [3] ، وقال الإمام الخطابي رحمه الله: (قد يستشكل هذا فيقال: كيف يغفر له وهو منكر للبعث والقدرة على إحياء الموتى؟ والجواب أنه لم ينكر البعث وإنما جهل فظن أنه إذا فعل به ذلك لا يعاد فلا يعذب، وقد ظهر إيمانه باعترافه بأنه إنما فعل ذلك من خشية الله) [4] ، و أيضًا فإنه قال: ليعذبني وهذا اعتراف منه بالعذاب في اليوم الآخر.

(1) رواه البخاري (واللفظ له) 6/ 514 كتاب الأنبياء، وكتاب التوحيد 13/ 466، ومسلم، كتاب التوبة 17/ 70 - 73 من حديث أبي هريرة و رواه البخاري كتاب الرقاق 11/ 312، وكتاب الأنبياء 6/ 514، 494، من حديث حذيفة، ورواه البخاري، كتاب الأنبياء 6/ 514، وكتاب الرقاق 11/ 312، وكتاب التوحيد 13/ 466، ومسلم كتاب التوبة 17/ 73، من حديث أبي سعيد الخدري، وهذا الحديث متواتر انظر الفتاوي 12/ 491، وإيثار الحق على الخلق 436.

(2) مجموع الفتاوى 11/ 409.

(3) مجموع الفتاوى 1/ 491، وانظر نصوصًا أخرى لشيخ الإسلام الفتاوى 3/ 231، 7/ 619، 23/ 348، 28/ 501، والرد على البكري 259.

(4) فتح الباري 6/ 523.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت