بينا في الفقرات السابقة: أنه لا فرق بين العقائد والأحكام في مسألة جواز التقليد لمن عجز عن الاستدلال أو الاجتهاد، وفي هذه الفقرة، سنشير إلى حكم من وقع في الكفر تقليدًا، هل يعذر بذلك؟
الذي يظهر من كلام الأئمة أن العذر بالتقليد من جنس العذر بالتأول والجهل، باعتبار المقلد جاهلًا لا يفهم الدليل أو الحجة، فإذا عذر من وقع في الكفر متأولًا رغم علمه واجتهاده، فعذر من يقلده من العوام الجهال من باب أولى، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - بعدما تكلم عن كفر وضلال أهل الحلول والاتحاد من غلاة المتصوفة كابن سبعين وابن عربي وابن الفارض وأمثالهم: ( ... فكل من كان أخبر بباطن هذا المذهب، ووافقهم عليه، كان أظهر كفرًا، وإلحادًا، وأما الجهال الذين يحسنون الظن بقول هؤلاء ولا يفهمونه، ويعتقدون أنه من جنس كلام المشايخ العارفين الذين يتكلمون بكلام صحيح لا يفهمه كثير من الناس، فهؤلاء تجد فيهم إسلامًا وإيمانًا، ومتابعة للكتاب والسنة بحسب إيمانهم التقليدي، وتجد فيهم إقرارًا لهؤلاء وإحسانًا للظن بهم، وتسليمًا لهم بحسب جهلهم وضلالهم، ولا يتصور أن يثني على هؤلاء إلا كافرًا ملحد، أو جاهل ضال ... ) ) [1] (.
فنلاحظ من كلام شيخ الإسلام إعذاره للجهال الذين يحسنون الظن بكلام هؤلاء الغلاة ولا يفهمونه حيث قال: إن فيهم إسلامًا وإيمانًا ومتابعة للكتاب والسنة رغم ضلالهم وجهلهم، وفي موضع آخر يشير - رحمه الله - إلى موقف الإمام أحمد -رحمه الله - من ولاة الأمر الذين قالوا بقول الجهمية، وامتحنوا وعاقبوا من خالفهم (ومع هذا فالإمام أحمد - رحمه الله تعالى - ترحم عليهم واستغفر لهم، لعلمه بأنهم لم) [2] (يبين لهم أنهم مكذبون للرسول، ولا جاحدون لما جاء به، ولكن تأولوا فأخطأوا، وقلدوا من قال لهم ذلك ... ) ) [3] (فالإمام أحمد رحمه الله عذر هؤلاء لأنهم مقلدون لمن يظنونهم من أهل العلم، وقد استدل شيخ الإسلام بهذا الموقف من إمام أهل السنة من بعض أتباع الجهمية على العذر بالتأويل والجهل - كما سبق - مما قد يدل على أن العذر بالتقليد عنده من جنس العذر بالجهل والخطأ والله أعلم.
وفي موضع ثالث يشير إلى عذر بعض من يقلد الشيوخ والعلماء فيما هو من جنس الشرك، قال - رحمه الله - بعد كلام حول هذا الموضوع: ( .. وإن كانت من جنس الشرك، فهذا الجنس ليس فيه شيء مأمور به، لكن قد يحسب بعض الناس في بعض أنواعه أنه مأمور به، وهذا لا يكون مجتهدًا، لأن المجتهد لابد أن يتبع دليلًا شرعيًا، وهذه
(1) مجموع الفتاوى 2/ 367.
(2) في الأصل (لمن) ، والصحيح ما أثبتناه.
(3) مجموع الفتاوى 23/ 349.