على الفاسق، ونحن نطلقه عليه لكنا نقيده بكفر النعمة، ولا نجري عليه أحكام المشركين، بل نقول فيه إن أحكامه في الدنيا أحكام المؤمنين إلا في الولاية وقبول الشهادة ونحوهما من الأحكام المختصة بالعدول، وليست التسمية بنفسها موجبة خلافًا معنويًا بين الفرق، وإنما الموجب لذلك الخلاف بناء الأحكام على الأسماء، كما ذهبت الأزارقة والصفرية والنجدات إلى تسمية صاحب الكبيرة كافرًا وأجروا حكم المشركين عليه وزادت الأزارقة على الطائفتين بتسمية صاحب الصغيرة كافرًا وإجراء حكم المشركين عليه) [1] .
أما بقية فرق الخوارج فتتضارب أقوالهم في هذه المسألة، فالنجدات ينقل عنهم في المسألة قولان:
الأول: أن مرتكب الكبيرة كافر كفر نعمة [2] ، والثاني: أن من فعل الذنب وأصر عليه فهو مشرك، و إن كان غير مصر فهو مسلم إن كان من موافقيهم [3] ، والصفرية: انقسموا ثلاث فرق [4] : ففرقة تقول بأن مرتكب الكبيرة كافر ومشرك [5] ، وأخرى تقول: لا يكفر إلى أن يحده الوالي ويحكم بكفره [6] ، وثالثة تقول: كل ذنب له حد في الشريعة لا يسمى مرتكبه مشركًا ولا كافرًا، بل يدعى باسمه بأن يقال سارق وقاتل وقاذف .. الخ وكل ذنب ليس له حد فمرتكبه كافر. [7]
ومر معنا تكفير الأزارقة لمرتكب الصغيرة.
يترتب على ارتكاب الكبيرة مسألة الجزاء والثواب في الآخرة، وهو ما يسمى"الوعد والوعيد"، وهو أحد أصول المعتزلة الخمسة، ويتفق الخوارج جميعًا معهم في هذا الأصل، وتتطابق تعريفاتهم وأدلتهم - كما ستلاحظ - وسنذكر رأي المعتزلة ثم رأي الخوارج، ثم نذكر أدلتهم على هذا الأصل.
أ- رأي المعتزلة:
يقول القاضي عبد الجبار: ( ... و أما علوم الوعد والوعيد، فهو أنه يعلم أن الله تعالى وعد المطيعين بالثواب وتوعد العصاة بالعقاب، وأنه يفعل ما وعد به وتوعد عليه لا محالة، ولا يجوز عليه الخلف و الكذب، والمخالف في هذا الباب إما أن يخالف في أصل الوعد والوعيد، أو يقول: أنه تعالى وعد وتوعد ولكن يجوز أن يخلف في وعيده، فالكلام
(1) مشارق الأنوار 2/ 202، 203، وانظر 304، فقد أشار إلى أن الخلاف مع المعتزلة في ذلك"لفظي"أما إشارته إلى أن جميع فرق الخوارج تقول بأن مرتكب الكبيرة كافر مشرك فغير دقيق، كما سنشير بعد ذلك إلى أقوالهم في المسألة.
(2) انظر مقالات الإسلاميين 86، التبصير 45، أصول الدين للبغدادي 250.
(3) الفصل 4/ 190، والفرق بين الفرق 89.
(4) التبصير 53، الفرق بين الفرق 91، فقد ذكروا هذه الفرق وأقوالها.
(5) الإيمان لأبي عبيد 102، والفرق بين الفرق 117.
(6) الفصل 4/ 190.
(7) الملل والنحل للشهرستاني 1/ 135.