المؤمنون [1] وقوله: {إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم} [2] وقوله: {إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله و إذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه} [3] إلى غير ذلك من الآيات ..
و إذا قد فرغنا من الكلام في أن صاحب الكبيرة لا يجوز أن يسمى مؤمنًا وما يتصل به، فإنا نذكر بعده الكلام في أنه لا يسمى كافرًا .. اعلم أن الكفر في أصل اللغة إنما هو الستر والتغطية، ومنه سمي الليل كافرًا لما ستر ضوء الشمس عنا ومنه سمي الزارع كافرًا لستره البذرة في الأرض، قال الله تعالى: {ليغيظ بهم الكفار} [4] أي الزراع، هذا في اللغة، و أما في الشرع فإنه جعل الكافر اسمًا لمن يستحق العقاب العظيم، ويختص بأحكام مخصوصة نحو المنع من المناكحة والموارثة والدفن في مقابر المسلمين، وله شبه بالأصل، فإن من هذه حاله صار كأنه جحد نعم الله تعالى عليه وأنكرها ورام سترها، و إذا ثبت هذا، ومعلوم أن صاحب الكبيرة ممن لا يستحق العقاب العظيم، ولا تجري عليه هذه الأحكام فلم يجز أن يسمى كافرًا ... ) [5] .
ويلخص هذا الكلام بعبارة موجزة فيقول: ( .. صاحب الكبيرة له اسم بين الاسمين، وحكم بين الحكمين لا يكون اسمه اسم الكافر، ولا اسمه اسم المؤمن، وإنما يسمى فاسقًا، وكذلك فلا يكون حكمه حكم الكافر، ولا حكم المؤمن، بل يفرد له حكم ثالث، وهذا الحكم الذي ذكرناه، هو سبب المسألة بالمنزلة بين المنزلتين، فإن صاحب الكبيرة له منزلة تتجاذبها هاتان المنزلتان، فليست منزلته منزلة الكافر ولا منزلة المؤمن، بل له منزلة بينهما) [6] ، وهذه المسألة"المنزلة بين المنزلتين"مما أجمعت عليه فرق المعتزلة [7] ، (وهذا هو الذي امتازت به المعتزلة، و إلا فسائر بدعهم قد قالها غيرهم ... ) [8] .
ب- رأي الأباضية:
يلخص صاحب"مشارق الأنوار"رأي الأباضية في ذلك، والفرق بينهم وبين المعتزلة، فيقول: (وذهبت المعتزلة إلى جعل منزلة الفسق بين منزلتين الإيمان والكفر، قالوا: لا يسمى الفاسق مؤمنًا ولا كافرًا فهو بين بين، لأن له في الدنيا أحكام المؤمنين وفي الآخرة أحكام الكافرين، والخلاف بيننا لفظي، لأنهم خصوا اسم الكفر بالمشرك، ومنعوا إطلاقه
(1) المؤمنون، آية: 1.
(2) سورة الأنفال، آية: 2.
(3) سورة النور، آية: 62.
(4) سورة الفتح، آية: 29.
(5) شرح الأصول الخمسة 701 - 702، وانظر بشكل موسع شرح القاضي لهذا الأصل (697 - 738) وانظر"الانتصار الرد على ابن الروندي"164 - 167 لأبي الحسين الخياط المعتزلي.
(6) شرح الأصول 697.
(7) انظر التبصير في الدين 65، والمنية والأمل المرتضى ص 6، الفرق بين الفرق 115.
(8) النبوات لابن تيمية 134.