ليس كل من ادعى الإكراه يقبل منه، بل لابد من شروط يجب توافرها ليكون الإكراه معتبرًا ومؤثرًا فيما يقدم عليه المكلف من أقوال أو أفعال أو تروك، وهذه الشروط هي:
أ- أن يكون المكره قادرًا على تحقيق ما أوعد به، لأن الإكراه لا يتحقق إلا بالقدرة، فإن لم يكن قادرًا لم يكن للإكراه معنى ولا اعتبار.
ب- أن يكون المكره عاجزًا عن الدفع عن نفسه بالهرب أو الاستغاثة أو المقاومة ونحو ذلك.
ج- أن يغلب على ظنه وقوع الوعيد، إن لم يفعل ما طلب منه.
أ- (أن يكون مما يستضر به المكره ضررًا كثيرًا كالقتل والضرب الشديد، والقيد والحبس الطويلين، فأما الشتم والسب فليس بإكراه رواية واحدة، وكذلك أخذ المال اليسير، فأما الضرر اليسير فإن كان في حق من لا يبالي به فليس بإكراه، وإن كان من ذوي المروءات على وجه يكون إخراقًا بصاحبة وغضبًا له وشهرة في حقه فهو كالضرب الكثير في حق غيره ... ) ) [1] (.
وفي هذا المعنى يقول الإمام السرخسي (*) (*) - رحمه الله: (والحد في الحبس الذي هو إكراه في هذا ما يجيء منه الاغتمام البين، وفي الضرب الذي هو إكراه ما يجد منه الألم الشديد، وليس في ذلك حد يزاد عليه ولا ينقص عنه، لأن معنى المقادير بالرأي لا يكون، ولكن على قدر ما يرى الحاكم إذا رفع ذلك إليه فما رأي أنه إكراه أبطل الإقرار به لأن ذلك يختلف باختلاف أحوال الناس، فالوجيه الذي يضع الحبس من جاهه، تأثير الحبس والقيد يومًا في حقه فوق تأثير حبس شهر في حق غيره فلهذا لم يقدر منه بشيء وجعلناه موكلًا إلى رأي القاضي لينبني ذلك على حال من ابتلي به ) ) [2] (، إذا ليس هناك حد منضبط إذا وجد تحقق الإكراه، بل ذلك بحسب الشخص ووسيلة الإكراه، وإنما المعتبر في ذلك وجود الضرر البدني على جسمه، والنفسي من الخوف والرهبة في نفسه بسبب التهديد والوعيد ونحوه) [3] (.
والأصل في ذلك قوله سبحانه: (من كفر من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدرًا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم ) ) [4] (.
والمشهور في سبب نزولها ما رواه أبو عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر) [5] (عن أبيه قال: (أخذ المشركون عمار بن ياسر فلم يتركوه حتى سب النبي صلى الله عليه وسلم وذكر آلهتهم بخير، ثم تركوه، فلما أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال:(ما وراءك) ؟ قال: شر يا رسول الله، ما تركت حتى نلت منك، وذكرت آلهتهم بخير قال: (كيف تجد قلبك) ، قال: مطمئنًا بالإيمان، قال: (إن عادوا فعد ) ) [6] (، قال الحافظ ابن حجر - رحمه الله: (واتفقوا على أنه(أي عمار) نزل فيه (إلا من أكره وقلبه مطمئن ) ) [7] (. قال أبو بكر الجصاص عن هذه الآية:(هذا أصل في جواز إظهار كلمة الكفر في حال الإكراه ) ) [8] (، بل إن هذا أصل العذر بالإكراه في الأصول والفروع، قال ابن العربي:(لما سمح الله تعالى في الكفر به، وهو أصل الشريعة، عند الإكراه، ولم يؤاخذ به، حمل العلماء عليه فروع الشريعة فإذا وقع الإكراه عليها لم يؤاخذ به ) ) [9] (.
قال الحافظ ابن كثير في تفسير قوله تعالى: (إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان) : (فهو استثناء ممن كفر بلسانه ووافق المشركين بلفظة مكرهًا، لما ناله من ضرب وأذى، وقلبه يأبى ما يقول وهو مطمئن بالإيمان بالله ورسوله ) ) [10] (، وقال الإمام ابن الجوزي - رحمه الله:(وقلبه مطمئن بالإيمان) أي: ساكن إليه راض به، (ولكن من شرح بالكفر صدرًا) قال قتادة: من أتاه بإيثار واختيار، وقال ابن قتيبة: من فتح له صدره بالقبول، وقال أبو عبيدة: المعنى: من تابعته نفسه، وانبسط إلى ذلك، يقال: ما ينشرح صدري بذلك، أي: ما يطيب) [11] (، وقال الإمام الشوكاني:
(1) المغني لابن قدامة 7/ 120.
(*) (*) السرخسي هو: محمد بن أحمد بن سهل، أبو بكر، مجتهد، من كبار الأحناف، من أهل سرخس في خراسان، اشهر كتبه (المبسوط) في الفقه، ثلاثون جزءًا، أملاه وهو في = السجن، وله (شرح السير الكبير للإمام محمد بن الحسن الشيباني) ، توفي سنة 483. انظر الأعلام 5/ 315.
(2) المبسوط 7/ 119.
(3) انظر في بيان ذلك، الإكراه وأثره في عقود المفاوضات المالية د. إبراهيم العروان 53 - 56، الإكراه وأثره في التصرفات د. عيسى شقره 50 - 57، ضوابط التكفير عبد الله القرني 287.
(4) سورة النحل، آية: 106.
(5) أبو عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر: أخو سلمة وقيل هما واحد، روى عن أبيه وجابر بن عبد الله رضي الله عنه، وغيرهم، وروى عنه ابنه عبد الله، وعبد الكريم الجزري، وابن إسحاق وغيرهم، قال في التقريب (مقبول، من الرابعة، 2/ 448، وانظر تهذيب التهذيب 12/ 160.
(6) رواه ابن جرير الطبري 24/ 122، وابن سعد في الطبقات 3/ 249، والبيهقي في السنن الكبرى 8/ 208، 209 والحاكم في المستدرك 2/ 357، وقال صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي، ونسبه السيوطي إلى ابن أبي حاتم وابن مردويه، الدر المنثور 5/ 170، وزاد الحافظ ابن حجر نسبته إلى عبد الرزاق وعبد بن حميد وقال عنه: وهو مرسل ورجاله ثقات، ثم ذكر له طرقًا أخرى مرسله ثم قال: وهذه المراسيل تقوي بعضها ببعض (الفتح 12/ 312) .
(7) الإصابة 2/ 512، وانظر بعض الآثار المصرحة بذلك في تفسير الطبري 24/ 122، وطبقات ابن سعد 3/ 249، والدر المنثور 5/ 170.
(8) أحكام القرآن 3/ 192.
(9) أحكام القرآن 3/ 1180.
(10) تفسير ابن كثير 2/ 587.
(11) زاد المسير 4/ 496.