الجه-ل في حقيقته مناف للعلم الذي هو أساس قول القلب، ولذلك عد بعض العلماء الجهل ناقضًا من نواقض الإيمان) [1] (، وأما متى يكون الجهل كفرًا؟ فقد مضى إيضاح ذلك في مبحث العذر بالجهل، وملخص ما ذكر حول ذلك: أن حديث العهد بإسلام، أو من نشأ ببادية بعيدة، ومن في حكمهم، مثل أن ينشأ في بيئة ينتشر فيها الشرك ويقل فيها الدعاة إلى التوحيد يعذر بجهل الأحكام الظاهرة المتواترة من الواجبات والمحرمات وكذلك في أصول العقائد ولا فرق، أما من يجهل شيئًا من ذلك بعد قيام الحجة مثل أن يكون في دار إسلام وعلم فإنه يكفر بمجرد ذلك) [2] (.
1 -أنواع التوحيد
يحسن قبل الكلام عن الشرك في الربوبية الكلام عن أنواع التوحيد، وهي- كما هو معلوم- ثلاثة:
النوع الأول: توحيد الربوبية: وهو توحيد الله عز وجل بأفعاله بالإقرار بأنه الخالق الرازق، المدبر المحيي المميت النافع الضار ... الخ.
النوع الثاني: توحيد الأسماء والصفات: وهو أن يسمى ويوصف سبحانه وتعالى بما سمى ووصف به نفسه، أو سماه ووصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم من غير تشبيه ولا تأويل ولا تكييف ولا تمثيل ولا تعطيل) [3] (.
النوع الثالث: توحيد الإلهية (توحيد العبادة) وهو توحيد الله عز وجل بأفعال العباد، فلا يدعى إلا إياه، ولا يستغاث إلا به، ولا يتوكل إلا عليه إلى غير ذلك من أنواع العبادة.
وهذا النوع هو مقتضى لا إله إلا الله ومعناها وهو الذي أنكره المشركون، وهو الذي من أجله شرع الجهاد وقامت الحروب على ساقها بين الموحدين والمشركين) [4] (، قال الإمام محمد بن عبد الوهاب- رحمه الله-:(فإن قيل لك ما الفرق بين توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية؟ فقل: توحيد الربوبية فعل الرب مثل: الخلق، والرزق والإحياء، والإماتة، وإنزال المطر، وإنبات النبات، وتدبير الأمور، وتوحيد الإلهية فعلك أيها العبد مثل: الدعاء والرجاء والخوف والتوكل والإنابة والرغبة والرهبة والنذر والاستغاثة، وغير ذلك من أنواع العبادة ) ) [5] (.
وهناك تقسيم آخر يذكره بعض أهل العلم كالإمام ابن تيمية وابن القيم- رحمهما الله- يقول ابن القيم: (وأما التوحيد الذي دعت إليه رسل الله، ونزلت به كتبه ... فهو نوعان: توحيد في المعرفة والإثبات، وتوحيد في الطلب والقصد.
فالأول: هو حقيقة ذات الرب تعالى، وأسمائه وصفاته، وأفعاله، وعلوه فوق سمواته على عرشه ..
النوع الثاني: مثل ما تضمنته سورة: (قل يا أيها الكافرون ) ) [6] (، وقوله:(قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم .. ) الآية) [7] ( ... وغالب سور القرآن، بل كل سورة في القرآن فهي متضمنة بنوعي التوحيد. بل
(1) انظر مفتاح دار السعادة 1/ 94، معارج القبول 2/ 12.
(2) انظر ص 288، 289.
(3) بعض أهل العلم يدخل توحيد الأسماء والصفات ضمن توحيد الربوبية.
(4) انظر مذكرة التوحيد للشيخ عبد الرازق عفيفي، ص 20، 29.
(5) مجموعة الشيخ 1/ 371.
(6) سورة الكافرون، آية:1
(7) سورة آل عمران، آية: 64.