قاصدين للمخالفة، لذلك وردت النصوص من الكتاب والسنة في إعذارهما ورفع الإثم عنهما - في الحقيقة- في حكم من لم تقم عله الحجة والله أعلم.
اتفق الأئمة على الإعذار بالخطأ-كما في الجهل- وإنما الخلاف في شمول ذلك للعقائد والأحكام، أم للأحكام فقط؟
وسنذكر هنا الأدلة العامة على العذر بالخطأ، ثم نشير إلى شمولها أو عدمه.
أ- أدلة عامة حول العذر بالخطأ:
استدل أهل السنة لذلك بأدلة كثيرة، سنأخذ أهمها ومنها:
1 -قوله سبحانه: {ادعوهم لآباءهم هو أقسط عند الله فإن لم تعلموا آبائهم فإخوانكم في الدين ومواليكم وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم وكان الله غفورًا رحيمًا} [1] ، قال الحافظ في الفتح: ( .. قال ابن التين: أجرى البخاري قوله تعالى: {وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به} ، في كل شئ، وقال غيره: هي في قصة مخصوصة وهي: ما إذا قال الرجل يا بني وليس هو ابنه ... ولوسلم أن الآية نزلت فيما ذكر لم يمنع ذلك من الاستدلال بعمومها، وقد أجمعوا على العمل بعمومها في سقوط الإثم) [2] .
2 -واستدلوا بقوله تعالى: {ومن يقتل مؤمنًا متعمدًا فجزاؤه جهنم خالدًا فيها ... الآية} [3] ، فقيد الوعيد على قاتل المؤمن بالتعمد [4] ، وفرقت النصوص بين القتل المتعمد والقتل الخطأ في أحكام الدنيا والآخرة.
3 -ومن الأدلة المشهورة قوله تعالى: {ربنا لا تؤخذنا إن نسينا أو أخطأنا ربنا ولا تحمل علينا إصرًا كما حملته على الذين من قبلنا} [5] وثبت في الحديث الصحيح أن الله سبحانه استجاب لهذا الدعاء فقال: فقد فعلت [6] .
4 -ومن الأحاديث المشهورة في العذر بالخطأ قوله-صلى الله عليه وسلم:"إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان، وما استكرهوا عليه" [7] ، قال الحافظ ابن رجب في شرحه لهذا الحديث (الخطأ: هو أن يقصد بفعله شيئًا فيصادف فعله غير ما قصده، مثل أن يقصد قتل كافر فصادف قتله مسلمًا، والنسيان أن يكون ذاكرًا الشئ فينساه
(1) سورة الأحزاب، آية:5.
(2) فتح الباري 11/ 551.
(3) سورة النساء، آية:93.
(4) انظر إيثار الحق على الخلق 436.
(5) سورة البقرة، آية:286.
(6) رواه مسلم كتاب الإيمان، باب بيان أنه سبحانه وتعالى لم يكلف إلا ما يطاق"رقم 126،عن ابن عباس رضي الله عنهما."
(7) رواه ابن ماجه 1/ 630، وابن حبان 1498، والطحاوي في شرح معاني الآثار 2/ 56، والدارقطني 497،وابن حزم في أصول الحكام 5/ 149،والحاكم وقال:"صحيح على شرط الشيخين"2/ 198، وحسنه النووي كما في جامع العلوم 350، وصححه الألباني كما في إرواء الغليل 1/ 123.