عند الفعل، وكلاهما معفو عنه: يعني لا إثم فيه، ولكن رفع الإثم لا ينافي أن يترتب على نسيانه حكم، ولو قتل مؤمنًا خطأ فإن عليه الكفارة والدية بنص الكتاب، وكذا لو أتلف مال غيره خطأ بظنه أنه مال نفسه .. ) إلى أن يقول: (والأظهر، والله أعلم أن الناسي والمخطئ إنما عفي عنهما بمعنى رفع الإثم عنهما لأن الإثم مرتب على المقاصد والنيات، والناسي والمخطئ لا قصد لهما فلا إثم عليهما، وأما رفع الأحكام عنهما فليس مرادًا من هذه النصوص فيحتاج في ثبوتها ونفيها إلى دليل آخر) [1] . وقد استدلوا بالحديث المشهور في قصة الرجل من بني إسرائيل [2] ، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- في تعليقه عليها: (فهذا الرجل اعتقد أن الله لا يقدر على جمعه إذا فعل ذلك، أو شك، وأنه لا يبعثه، وكل هذين الاعتقادين كفر، يكفر من قامت عليه الحجة، لكنه كان يجهل ذلك، ولم يبلغه العلم بما يرده عن جهله، وكان عنده إيمان بالله وبأمره ونهيه ووعده ووعيده، فخاف من عقابه، فغفر الله له بخشيته، فمن أخطأ في بعض مسائل الاعتقاد، من أهل الإيمان بالله وبرسوله وباليوم الآخر والعمل الصالح، لم يكن أسوأ حالًا من هذا الرجل فيغفر الله خطأه، أو يعذبه إن كان منه تفريط في اتباع الحق على قدر دينه، وأما تكفير شخص علم إيمانه بمجرد الغلط في ذلك، فعظيم .. ) [3] .
فهذا الحديث كثيرًا ما يستدل به شيخ الإسلام في مسائل العذر بالجهل والخطأ، والتأويل.
فهذا الرجل وقع في الخطأ - فتكلم بالكفر من غير قصد - بسبب جهله - فعذره الله سبحانه لعدم قيام الحجة عليه، أما الاستدلال به على مسألة العذر بالتأويل فمن باب أولى، لأن المتأول في حقيقته مجتهد مخطيء، فإذا لم يكفر المخطيء من غير اجتهاد- كما في هذه القصة - فعدم كفر من اجتهد في طلب الحق فأخطأ من باب أولى، وفي هذا المعنى يقول ابن الوزير - رحمه الله: ( .. قد تكاثرت الآيات والأحاديث في العفو عن الخطأ والظاهر أن أهل التأويل أخطأوا، ولا سبيل إلى العلم بتعمدهم) ثم ذكر بعض أدلة الإعذار بالخطأ ومنها قصة الرجل من بني إسرائيل، ثم علق عليها قائلًا (وإنما أدركته الرحمة لجهله وإيمانه بالله والمعاد ولذلك خاف العقاب .. وهذا أرجى حديث لأهل الخطأ في التأويل) [4] ، فذكر أنه أخطأ بسبب الجهل فعذر، ثم استدل به على الخطأ بسبب التأويل والله أعلم ..
5 -ونختم هذه الأدلة بحديث خاص بإعذار المجتهد المخطيء في الأحكام، وهو قوله - صلى الله عليه وسلم-:"إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، و إذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر" [5] قال الحافظ الخطيب
(1) جامع العلوم والحكم 352 - 354.
(2) سبق تخريجه في مبحث العذر بالجهل ص 223.
(3) الاستقامة 1/ 164،165،وانظر 3/ 231،12/ 490، وغيرها.
(4) إيثار الحق 435، 436.
(5) رواه البخاري، الاعتصام بالكتاب والسنة، باب أجر الحاكم إذا اجتهد .."الفتح 13/ 318، ومس-لم الأقضية،"باب بيان أجر الحاكم إذا اجتهد .."شرح النووي 12/ 13."