البغدادي - رحمه الله: (فإن قيل: كيف يجوز أن يكون للمخطيء فيما أخطأ فيه أجر، وهو إلى أن يكون عليه في ذلك إثم لتوانيه وتفريطه في الاجتهاد حتى أخطأ؟ فالجواب، أن هذا غلط لأن النبي - صلى الله عليه وسلم- لم يجعل للمخطيء أجرًا على خطئه، و إنما جعل له أجرًا على اجتهاده، وعفا عن خطئه لأنه لم يقصده، و أما المصيب فله أجر على اجتهاده، وأجر على إصابته) [1] ، واستدل جمهور العلماء بهذا الحديث على تخطئة بعض المجتهدين ممن لم يصب الحق و أن الحق مع أحدهم أو بعضهم، وفيه رد على من قال: كل مجتهد مصيب، يقول الإمام ابن قدامة - رحمه الله-: (والحق في قول واحد من المجتهدين ومن عداه مخطيء، سواء كان في فروع الدين أو أصوله) [2] ، ثم ذكر الأدلة على ذلك ومنها هذا الحديث، وقال الإمام الزركشي [3] : (واختلف العلماء في حكم أقوال المجتهدين، هل كل مجتهد مصيب، أو المصيب واحد؟ ذهب الشافعي و أبو حنيفة ومالك وأكثر الفقهاء رحمهم الله إلى أن الحق في أحدهما، و إن لم يتعين لنا فهو عند الله متعين، لاستحالة أن يكون الشيء الواحد في الزمان الواحد في الشخص الواحد حلالًا حرامًا، و لأن الصحابة تناظروا في المسائل و احتج كل واحد على قوله: وخطأ بعضهم بعضًا، وهذا يقتضي أن كل واحد يطلب إصابة الحق، ثم اختلفوا، هل كل مجتهد مصيب أم لا؟ فعند الشافعي أن المصيب منهم واحد و إن لم يتعين، و إن جميعهم مخطيء إلا ذلك الواحد وبه قال مالك وغيره .. ) [4] ، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - (فإذا أريد بالخطأ الإثم، فليس المجتهد بمخطيء بل كل مجتهد مصيب مطيع لله، فاعل ما أمره الله به، و إذا أريد به عدم العلم بالحق في نفس الأمر فالمصيب واحد، وله أجران .. ) [5] ، ونختم الكلام حول هذا الحديث بالإشارة إلى أن من أخطأ فحكم أو أفتى بغير علم واجتهاد فهو آثم عاص [6] ، يقول شيخ الإسلام - رحمه الله - ( .. فمن كان خطؤه لتفريطه فيما يجب عليه من اتباع القرآن و الإيمان مثلًا، أو لتعديه حدود الله بسلوك السبل التي نهى عنها، أو لاتباع هواه بغير هدى من الله، فهو الظالم لنفسه، وهو من أهل الوعيد، بخلاف المجتهد في طاعة الله ورسوله باطنًا وظاهرًا الذي يطلب الحق باجتهاده كما أمره الله ورسوله فهذا مغفور له خطؤه ... .. ) [7] ، لكنه لا يكفر إن فرط في الاجتهاد فوقع في الكفر خطأ، لأن الكفر يكون بعد قيام الحجة، يقول شيخ الإسلام: ( .. و أما"التكفير"فالصواب أنه من اجتهد من أمة محمد - صلى الله عليه وسلم- وقصد الحق، فأخطأ لم يكفر، بل يغفر له خطؤه، ومن تبين له ما جاء به الرسول، فشاق الرسول من بعد ما تبين له الهدى، واتبع غير سبيل المؤمنين: فهو كافر، ومن اتبع هواه، وقصر في طلب الحق، وتكلم بلا علم فهو عاص مذنب، ثم قد يكون فاسقًا، وقد تكون له حسنات ترجح على سيئاته .. ) [8] ، ويقول - أيضًا: (وليس لأحد أن يكفر أحدًا من المسلمين، و إن أخطأ وغلط حتى تقام عليه الحجة، وتبين له المحجة، ومن ثبت إسلامه بيقين لم يزل ذلك عنه بالشك، بل لا يزول إلا بعد إقامة الحجة و إزالة الشبهة) [9] ، وخلاصة هذا المبحث ما يلي:
قد تواترت النصوص من الكتاب والسنة في إعذار المخطيء، و أن حكمه حكم الجاهل والمتأول - فلا يكفر إلا بعد قيام الحجة عليه -، و أنه إن كان مجتهدًا فيما يسوغ فيه الاجتهاد - فله أجر باجتهاده - ولو أخطأ - أما إن لم يكن مجتهدًا وأخطأ فيأثم لتفريطه.
لكن هل يفرق في ذلك بين العقائد و الأحكام؟
ب- هل يفرق بين العقائد و الأحكام؟
سبقت الاشارة في مبحث الجهل إلى بطلان التقسيم إلى فروع يعذر الجاهل فيها، و أصول لا يعذر، و أن هذا التقسيم لا دليل عليه ولا يعرف عن السلف، والمفرقون لم يذكروا حدا منضبطًا يمكن به التفريق بين الأصول والفروع، والعذر بالخطأ من جنس العذر بالجهل، لذلك بين أئمة السلف أنه لا يأثم المجتهد المخطيء لا في الأصول ولا في الفروع، والخلاف في هذه المسألة بين أئمة السلف ومخالفيهم من المتكلمين ومن تأثر بهم، فرع عن الخلاف في أصل عام شامل، وهو: هل يمكن لكل أحد أن يعرف باجتهاده الحق في كل مسألة فيها نزاع، و إذا لم يمكنه فاجتهد واستفرغ وسعه فلم يصل إلى الحق، بل قال ما اعتقد أنه هو الحق في نفس الأمر، ولم يكن هو الحق في نفس الأمر: هل يستحق أن يعاقب أم لا؟ وهل يفرق في ذلك بين الأصول والفروع أو بين المسائل العلمية والعملية [10] ؟
نقل شيخ الإسلام الأقوال في هذه المسألة، ثم بين أن قول السلف وأئمة الفتوى كأبي حنيفة، والشافعي، والثوري وداود بن علي وغيرهم أنهم (لا يؤثمون مجتهدًا مخطئًا لا في المسائل الأصولية ولا في الفروعية، كما ذكر عنهم ابن حزم وغيره، ولهذا كان أبو حنيفة والشافعي وغيرهما يقبلون شهادة أهل الأهواء [11] إلا الخطابية [12] ، ويصححون
(1) الفقيه والمتفقه 1/ 191، وانظر البحر المحيط للزركشي 6/ 262، والأحكام لابن حزم 2/ 652 وغيرها.
(2) روضة الناظر، 193.
(3) الزركشي: هو محمد بن بهادر بن عبد الله الزركشي، عالم بفقه الشافعية و الأصول، ولد بمصر سنة 745 ه-، له تصانيف كثيرة منها"الإجابة لإيراد ما استدركته عائشة على الصحابة"، و"البحر المحيط"ويبلغ ست مجلدات، وهو من أوسع الكتب في أصول الفقه، توفي بمصر سنة 794 ه-، انظر الدرر الكامنة 3/ 397، شذرات الذهب 6/ 335، الأعلام 6/ 60، 61.
(4) البحر المحيط في أصول الفقه للزركشي 6/ 241.
(5) مجموع الفتاوي 13/ 124، وانظر 20/ 24، وانظر تفريعات وتفصيلات أخرى لهذه المسألة في الفقيه والمتفقه 58 - 64، المحصول للرازي 2/ 47 - 91، والأحكام لابن حزم 2/ 658 - 660، روضة الناظر 193 - 200 وغيرها.
(6) انظر فتح الباري 13/ 319.
(7) مجموع الفتاوي 3/ 317، وانظر 12/ 496.
(8) مجموع الفتاوي 12/ 180.
(9) نفسه 12/ 466، وانظر 12/ 523، 524.
(10) أطال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - في مناقشة هذا الأصل وأقوال الناس فيه، ثم بين أقوال السلف وأدلتهم، ومن باب الاختصار سنكتفي ببيان مذهب السلف في هذا الأمر، انظر منهاج السنة، 5/ 84 - 125، ومجموع الفتاوي 19/ 203 - 227.
(11) رغم أنهم مخطئون في المسائل العلمية، و إنما عذر من عذر منهم لاجتهاده وتأوله، أما من رد شهادتهم من الأئمة - كمالك و أحمد - فليس ذلك مستلزمًا لإثمهم، لكن المقصود إنكار المنكر وهجر من أظهر البدعة، انظر الفتاوى 13/ 125.
(12) الخطابية: أتباع أبي الخطاب محمد بن أبي زينب مقلاص الأسدي الكوفي الأجدع المقتول سنة 143 ه-، من غلاة الشيعة، قال النوبختي - الرافضي: (كان أبو الخطاب يدعي أن أبا عبد الله جعفر بن محمد(الصادق) عليهما السلام جعله قيمه ووصيه من بعده، وعلمه اسم الله الأعظم، ثم ترقى إلى أن ادعى الرسالة، ثم ادعى أنه من الملائكة و أنه رسول الله إلى أهل الأرض والحجة عليهم"فرق الشيعة للنوبختي الرافضي 37،38، وانظر مقالات الإسلاميين 1/ 75 - 81، الملل والنحل 1/ 380 - 385 وغيرها."