ويقول أيضًا: ( ... أما من كذب اللفظ المنزل أو جحده، كفر متى كان ممن يعلم بالضرورة أنه يعلمه بالضرورة، وإنما الكلام في طوائف الإسلام الذين وافقوا على الإيمان بالتنزيل، وخالفوا في التأويل فهؤلاء لا يكفر منهم إلا من تأويله تكذيب، ولكن سماه تأويلًا مخادعة للمسلمين ومكيدة للدين كالقرامطة الذين أنكروا وصف الله تعالى بكونه موجودًا وعالمًا وقادرًا ونحو ذلك من الصف-ات التي عل-م الكاف-ة بالضرورة أن النبي صلى الله عليه وسلم جاء بها على ظاهرها ... ) ) [1] (، وقال الملا القاري الحنفي:( ... وأما من يؤول النصوص الواردة في حشر الأجساد، وحدوث العالم، وعلم الباري بالجزئيات فإنه يكف لما علم قطعًا من الدين أنها على ظواهرها بخلاف ما ورد في عدم خلود أهل الكبائر في النار لتعارض الأدلة في حقهم ... ) ) [2] (، وذكر الإمام ابن حزم - رحمه الله - أمثلة كثيرة لبعض الطوائف الغالية المنسوبة إلى الإسلام، وبعض ضلالاتها فقال:(وقد تسمى باسم الإسلام من أجمع جميع فرق الإسلام على أنه ليس مسلمًا، مثل طوائف من الخوارج غلوا فقال: إن الصلاة ركعة بالغداة، وركعة بالعشي فقط ... ، وقالوا: إن سورة يوسف ليست من القرآن، وطوائف كانوا من المعتزلة ثم غلوا فقالوا بتناسخ الأرواح، وآخرون قالوا: إن النبوة تكتسب بالعمل الصالح، وآخرون ... قالوا قد يكون في الصالحين من هو أفضل من الأنبياء، وأن من عرف الله حق معرفته فقد سقطت عنهم الأعمال والشرائع وقال بعضهم بحلول الباري تعالى في أجسام خلقه كالحلاج وغيره ... ) ) [3] (.
وبعد الإشارة إلى الأصول التي يعذر المتأول بها، والأصول التي لا يعذر المتأول بها، يرد علينا تساؤل مهم، وهو هل هناك حد منضبط نفرق به بين ما يعذر صاحبه، وما لا يعذر؟
في حدود بحثي ومطالعتي المحدودة، لم يتبين لي حد أو ضابط يمكن أن يكون فاصلًا في ذلك. سوى ما سبقت الإشارة إليه من عمومات قال بها بعض العلماء، ولكن الاعتبار في ذلك يكون بقيام الحجة أو عدمها، وذلك بوجود من يقيم الحجة ويزيل الشبهة عن المعين حتى يتبين له الحق، أو يصر على ضلالة وباطله فيحكم بردته.
الخلاف بين العلماء في حدود التأويل المقبول وغير المقبول، أدى إلى خلاف بينهم في الحكم على الفرق المتأولة، ونحن لن نبحث تفصيل الحكم على كل فرقة، وهل الراجح تكفيرها أو عدمه، وإنما مقصودنا الإشارة المجملة إلى إعذار الأئمة للمتأولين المعينين، مهما بلغ خطؤهم إذا لم تقم عليهم الحجة.
يلخص شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - موقف الأئمة من الفرق المشهورة فيقول: ( ... وأما السلف والأئمة فلم يتنازعوا في عدم تكفير(المرجئة) و (الشيعة المفضلة) ونحو ذلك، ولم تختلف نصوص أحمد في أنه لا يكفر هؤلاء، وإن كان من أصحابه من حكى في تكفير جميع أهل البدع - من هؤلاء وغيرهم - خلافًا عنه، أو في مذهبه، حتى أطلق بعضهم تخليد هؤلاء وغيرهم وهذا غلط على مذهبه، وعلى الشريعة، ومنهم من لم يكفر أحدًا من هؤلاء إلحاقًا بأهل المعاصي، قالوا: فكما أن من أصول أهل السنة والجماعة أنهم لا يكفرون أحدًا بذنب، فكذلك لا يكفرون أحدًا ببدعة، والمأثور عن السلف والأئمة إطلاق أقوال بتكفير (الجهمية المحضة) الذين ينكرون الصفات، ... وأما الخوارج والروافض ففي تكفيرهم نزاع وتردد عن أحمد وغيره، وأما القدرية الذين ينفون الكتابة والعلم فكفروهم، ولم يكفروا من أثبت العلم ولم يثبت خلق الأفعال) [4] (، ثم بين سبب التنازع، فيقول:(وسبب هذا التنازع تعارض الأدلة، فإنهم يرون أدلة توجب إلحاق أحكام الكفر بهم، ثم إنهم يرون من الأعيان، الذين قالوا تلك المقالات من قام به من الإيمان ما يمتنع أن يكون كافرًا، فيتعارض عندهم الدليلان، وحقيقة الأمر أنهم أصابوا في ألفاظ العموم في كلام الأئمة، ما أصاب الأولين في ألفاظ العموم في نصوص الشارع، كلما رأوهم قالوا: من قال كذا فهو كافر، اعتقد المستمع أن هذا اللفظ شامل لكل من قاله، ولم يتدبروا أن التكفير له شروط وموانع قد تنتفي في حق المعين، وإن تكفير المطلق لا يستلزم تكفير المعين، إلا إذا وجدت الشروط انتفت الموانع، بين هذا أن الإمام أحمد وعامة الأئمة، الذين أطلقوا هذه العمومات) [5] (، ولم يكفروا أكثر من تكلم بهذا الكلام بعينه .. ) ) [6] (، ثم ضرب مثالًا كرره في عدة مواضع - وهو موقف الإمام أحمد من أعيان الجهمية فقال: ( ... مع أن أحمد لم يكفر أعيان الجهمية، ولا كل من قال: إنه جهمي كفره، ولا كل من وافق الجهمية في بعض بدعهم، بل صلى خلف الجهمية الذين دعوا إلى قولهم، وامتحنوا الناس وعاقبوا من لم يوافقهم بالعقوبات الغليظة، لم يكفرهم أحمد وأمثاله، بل كان يعتقد إيمانهم، وإمامتهم، ويدعو لهم، ويرى الائتمام بهم في الصلاة خلفهم، والحج والغزو معهم، والمنع من الخروج عليهم ما يراه لأمثالهم من الأئمة، وينكر ما أحدثوا من القول الباطل الذي هو كفر عظيم، وإن لم يعلموا هم أنه كفر، وكان ينكره ويجاهدهم على رده بحسب
(1) العواصم والقواصم 4/ 176.
(2) شرح الفقه الأكبر 69، وانظر فيصل التفرقة، للغزالي 147، والاقتصاد في الاعتقاد 156 - 160.
(3) الفصل 2/ 114.
(4) مجموع الفتاوى 3/ 351، 352، 282، وانظر 7/ 507.
(5) مثل قولهم، من قال: القرآن مخلوق فهو كافر، ومن قال: إن الله لا يرى في الآخرة فهو كافر ونحو ذلك.
(6) الفتاوى 12/ 487، 488.