تعالى فيه المشيئة، إن شاء عفا عنه بفضله وكرمه أو ببركة ما معه من الإيمان والحسنات، أو بشفاعة بعض الأخيار، وإن شاء عذبه بقدر ذنبه، ثم عاقبة أمره الجنة لا محالة، ولا يخلد في النار ... ) [1] وقال إمام الحرمين: ( .. من مات من عصاة أهل الإيمان من غير توبة، فأمره مغيب، إن شاء الله غفر له، أو شفع فيه شفعاء، و إن شاء عرضه على النار بقدر ذنوبه، ثم عاقبته الفوز الأكبر والنجاة) [2] . وقال البغدادي: (فأما أصحاب الذنوب من المسلمين إذا ماتوا قبل التوبة فمنهم من يغفر الله عز وجل له قبل تعذيب أهل النار، ومنهم من يعذبه في النار مدة ثم يغفر له ويرده إلى الجنة برحمته ... ) [3]
وقال الإيجي: (الثواب فضل وعد به فيفي به من غير وجوب، لأن الخلف في الوعد نقص، تعالى الله عنه، والعقاب عدل فله أن يتصرف فيه وله العفو عنه لأنه فضل، ولا يعد الخلف في الوعيد نقصًا عند العقلاء .. ) [4]
وقال أيضًا: (أجمعت الأمة عل--ى أص-ل الشفاعة، وهي عندنا لأهل الكبائر من الأمة لقوله - صلى الله عليه وسلم:"شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي" [5] ، [6]
وهكذا الكلام - كما هو واضح، يتفق مع مذهب السلف في الجملة، أما من حيث التفصيل فهناك بعض الفروقات، من مثل إطلاقهم الإيمان دون تقييد على مرتكب الكبائر، وقولهم إن إيمانه لا ينقص بذلك مهما فعل من الذنوب، وترك من الواجبات.
الكلام عن مفهومهم للكفر فرع عن مفهومهم للإيمان، فلما عرفوا الإيمان بأنه مجرد المعرفة والتصديق، حصروا الكفر بالجهل والتكذيب ونحوه من الجحود والإنكار والعناد، فلما قيل لهم: إن ساب الرسول - صلى الله عليه وسلم-، أو الساجد للصنم، أو ملقي المصحف في القاذورات، كافر عند الجميع، ولا يلزم من ذلك انتفاء التصديق عن قلبه، اضطربوا في الجواب عن ذلك، فقال بعضهم إن هذه علامات على تكذيب القلب، وقال آخرون نحكم بالظاهر ويجوز أن يكون في الباطن مؤمنًا، و إليك بعض النقولات عنهم الموضحة لمذهبهم- باختصار-: قال الإمام الباقلاني - رحمه الله - في تعريف الكفر: (وهو ضد الإيمان، وهو الجهل بالله عز وجل، والتكذيب به، الساتر لقلب الإنسان عن العلم به، فهو كالمغطي للقلب عن معرفة الحق، ومنه قول الشاعر: في ليله كفر النجوم غمامها، أي غطاها، ومنه قولهم: زيد متكفر بسلاحه .. وقد يكون الكفر بمعنى التكذيب والجحد والإنكار) [7] ، وقال أبو المعين النسفي: ( ... الكفر هو التكذيب والجحود، وهما يكونان بالقلب ... ) [8]
وجاء في المقاصد: (وقال القاضي [9] : هو الجحد بالله، وفسر بالجهل، ورد: بأن الكافر قد يعرف الله ويصدق به، والمؤمن قد لا يعرف بعض أحكامه، فأجيب: بأن المراد الجحد به في شيء مما علم قطعًا أنه من أحكامه، أو الجهل بذلك إجمالًا وتفصيلًا .. ) [10] قال التفتازاني في شرح ذلك:( ... فإن قيل: من استخف بالشرع أو الشارع أو ألقى المصحف في القاذورات، أو شد الزنار بالاختيار كافر إجماعًا، و إن كان مصدقًا للنبي - صلى الله عليه وسلم- في جميع ما جاء به .. قلنا: لو سلم اجتماع التصديق
المعتبر في الإيمان مع تلك الأمور التي هي كفر وفاقًا، فيجوز أن يجعل الشارع بعض محظورات الشرع علامة التكذيب، فيحكم بكفر من ارتكبه، وبوجود التكذيب فيه، وانتفاء التصديق عنه كالاستخفاف بالشرع .. ) [11] ، فالتفتازاني، يرى أن هذه الأمور إذا وجدت دل ذلك على تكذيب القلب، فهي علامات على الكفر وهو تكذيب القلب.
وجوز بعضهم أن يكون مؤمنًا في الباطن حتى لو سب الرسول - صلى الله عليه وسلم- وسجد للصنم، جاء في شرح المواقف: (قال: [12] (قلنا هو دليل عدم التصديق) أي سجوده لها يدل بظاهره على أنه ليس بمصدق، ونحن نحكم بالظاهر، ولذلك حكمنا بعدم إيمانه، لا لأن عدم السجود لغير الله داخل في حقيقة الإيمان، (حتى لو علم أنه لم يسجد لها على سبيل التعظيم، واعتقاد الإلهية) بل سجد لها، وقلبه مطمئن بالتصديق، (لم يحكم بكفره فيما بينه وبين الله) و إن أجري عليه حكم الكافر في الظاهر) [13] ، وقال البغدادي: ( .. والسجود للشمس أو للصنم وما جرى مجرى ذلك من علامات الكفر، و إن لم يكن في نفسه كفرًا إذا لم يضامه عقد القلب على الكفر، ومن فعل شيئًا من ذلك أجرينا عليه حكم أهل الكفر و إن لم نعلم كفره باطنًا ... ) [14] ، فالبغدادي خالف الإجماع الذي ينقلونه أيضًا،
(1) التمهيد 92، وانظر تفصيل أدلة ذلك 92 - 97.
(2) العقيدة النظامية 64.
(3) أصول الدين 242.
(4) المواقف 378، وانظر نصًا مطولًا في مسألة جواز الوعيد - يتفق مع ما ذكر - في التمهيد للباقلاني 398 - 404.
(5) رواه الإمام أحمد 3/ 213، و أبو داود في السنة"باب في الشفاعة"رقم 4739، والترمذي في صفة القيامة"باب ما جاء في الشفاعة"رقم 435، وقال: حسن صحيح، وابن أبي عاصم في السنة 2/ 399، والحاكم 1/ 69، وقال: صحيح على شرط الشيخين، وابن حبان كما في الموارد ص 645، وابن خزيمة في التوحيد 2/ 651 - 653، والآجري في الشريعة 388، والبيهقي في سننه 10/ 190، وفي شعب الإيمان 2/ 129، وفي الاعتقاد ص 202، بطرق عن أنس رضي الله عنه، قال الحافظ ابن كثير عن أحد طرقه: (إسناده صحيح على شرط الشيخين) التفسير 1/ 487، وصححه الألباني كما في صحيح الجامع رقم 3608، وفي مشكاة المصابيح رقم 5598، وله طرق أخرى عن جابر وابن عباس، وابن عمر وكعب بن عجرة رضي الله عنهم، انظر الشفاعة لمقبل الوادعي 90 - 94.
(6) المواقف 380، وانظر في إثباتهم لأهل الكبائر، التمهيد النسفي 98، أصول الدين البغدادي 244، وغيرها.
(7) التمهيد للباقلاني 394.
(8) التمهيد في أصول الدين للنسفي 100، وانظر ص 92.
(9) لعله الباقلاني.
(10) شرح المقاصد 5/ 224.
(11) شرح المقاصد 5/ 225.
(12) أي الإيجي، وما بين القوسين كلامه، والشارح الشريف الجرجاني.
(13) شرح المواقف 3/ 250 - 251.
(14) أصول الدين 266.