(أ) إن المتأمل جيدًا لا يكاد يفرق بين مفهوم كفر الجحود والتكذيب والاستحلال والإنكار حين يبحث في كلام العلماء حول المكفرات، ولعل السبب في ذلك أن هذه النوقض كلها من النواقض الاعتقادية التي يكفر من وقع في واحد منها إجماعًا، ولذلك لم يعتن في الغالب في التفريق بين معانيها، وإليك مجموعة من الأمثلة من كلام العلماء يتضح من خلالها هذا التشابه.
قال الإمام ابن بطة - رحمه الله: (فكل من ترك شيئًا من الفرائض التي فرضها الله في كتابه أو أكدها رسول الله صلى الله عليه وسلم في سننه - على سبيل الجحود لها والتكذيب بها - فهو كافر بين الكفر ... ) ) [1] (.
فالإمام هنا - كما نلاحظ - عبر عن إنكار الواجبات - الظاهرة - بالجحود والتكذيب، ومثله قول العلامة ابن سحمان: (لا خلاف بين العلماء أن الإنسان إذا صدق الرسول صلى الله عليه وسلم في شيء وكذبه في شيء لم يدخل الإسلام كمن جحد فريضة أو واجبًا ... ) ) [2] (. وقال القاضي عياض:( ... وكذلك نقطع بتكفير كل من كذب وأنكر قاعدة من قواعد الشرع وما تواتر كمن أنكر وجوب الصلوات الخمس ) ) [3] (فالقاضي ساوى بين التكذيب والإنكار.
وكذلك نجد الترابط والتشابه بين الجحود والاستحلال في كلام الإمام ابن قدامة، حيث قال في حق جاحد فريضة الصلاة: (وأما إذا كان الجاحد لها ناشئًا في الأمصار بين أهل العلم فإنه يكفر بمجرد جحدها ) ) [4] (إلى أن قال:(ومن اعتقد حل شيء أجمع على تحريمه وظهر حكمه بين المسلمين وزالت الشبهة فيه للنصوص الواردة فيه كلحم الخنزير والزنا وأشباه هذا مما لا خلاف فيه كفر لما ذكرنا في تارك الصلاة، وإن استحل قتل المعصومين وأخذ أموالهم بغير شبهة ولا تأويل فكذلك ... ) ) [5] (، ومثله ما قاله العلامة ابن الوزير:(المتواتر نوعان: أحدهما: ما علمه العامة مع الخاصة فيكفر جاحده ... الثاني: ما لا يعرف تواتره إلا الخاصة فلا يكفر مستحلة ) ) [6] (. ومثله قول سليمان بن عبد الله بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب:( ... وأما استحلال المحرمات المجمع على حرمتها أو بالعكس فهو كفر اعتقادي لأنه لا يجحد تحليل ما أحل الله ورسوله أو تحريم ما حرم الله ورسوله إلا معاند للإسلام ... ) ) [7] (.
وكذلك نجد في كلامهم التسوية بين الجحد والإنكار، قال الإمام الملا علي القاري الحنفي: (وفي جواهر الفقه، من جحد فرضًا مجمعًا عليه كالصوم والصلاة، والزكاة والغسل من الجنابة كفر، قلت: وفي معناه من أنكر حرمة محرم مجمع عليه كشرب الخمر والزنا وقتل النفس وأكل مال اليتيم والربا ) ) [8] (ومثله ما قاله الإمام الشوكاني في الدواء العاجل:(وقد تقرر في القواعد الإسلامية أن منكر القطعي أو جاحده، والعامل على خلافه تمردًا وعنادًا أو استحلالًا أو استخفافًا كافر بالله وبالشريعة المطهرة التي اختارها الله تعالى لعباده ) ) [9] (.
فالنصوص السابقة كما نلاحظ تبين لنا التداخل بين هذه المعاني في الغالب.
ولذلك لم أر داعيًا للفصل بين (أ) كفر الجحود والتكذيب. و (ب) استحلال أمر معلوم تحريمه من الدين بالضرورة. فوضعت هاتين الفقرتين في فقرة واحدة؛ لأن المصلحة العلمية تقتضي ذلك كما يظهر لي والله أعلم.
ب- الفرق بين الجحد والتكذيب والاستحلال والانكار:
من الآيات الصريحة في التفريق بين الجحد والتكذيب قوله تعالى: (فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون) فالآية نفت عنهم التكذيب وأثبتت الجحود مما يدل على عدم تلازمها، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية حول هذه الآية: (فنفى عنهم التكذيب وأثبت الجحود ومعلوم أن التكذيب باللسان لم يكن منتفيًا عنهم، فعلم أنه نفى عنهم تكذيب القلب، ولو كان المكذب الجاحد مع علمه يقوم بقلبه خبر نفساني لكانوا مكذبين بقلوبهم، فلما نفى عنهم القلوب عل-م أن الجحود الذي هو ضرب من الكذب والتكذيب بالحق معلوم ليس هو كذبًا في النفس ولا تكذيب فيها ... ) ) [10] (إذا يمكن أن يقال أن التكذيب أعم من الجحود إذ الجحود يكون في اللسان، والكذب يكون في القلب واللسان والعمل، ويمكن أن يقال أيضًا كل جحود تكذيب وليس كل تكذيب جحودًا.
ولذلك يفرق بعض العلماء بين كفر التكذيب، وكفر الجحود، قال الشيخ حافظ حكمي - رحمه الله: (أنواع الكفر لا تخرج عن أربعة، كفر جهل و تكذيب، وكفر جحود، وكفر عناد واستكبار، وكفر نفاق) ، وقال في إيضاح ذلك: ( ... وإن انتفى تصديق القلب مع عدم العلم بالحق فكفر الجهل والتكذيب قال الله تعالى:(بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله ) ) [11] ( ... وإن كتم الحق
(1) الإبانة لابن بطة العكبري 2/ 764.
(2) الضياء الشارق، سليمان بن سحمان 349.
(3) الشفا 2/ 1073.
(4) المغني 8/ 131.
(5) المغني 8/ 131، وانظر كلامه عن حكم جاحد وجوب الزكاة 2/ 573 فقد ساوى بين الإنكار والجحد.
(6) العواصم والقواصم 4/ 174.
(7) توحيد الخلاق 98، ومثله معارج القبول 2/ 357.
(8) شرح الفقه الأكبر 143.
(9) الدواء العاجل 34 ضمن مجموعة الرسائل السلفية.
(10) الرسالة التسعينية ضمن الفتاوى الكبرى 5/ 164.
(11) سورة يونس، آية: 39.