العذر بالتأويل متفق عليه عند الأئمة - كالعذر بالجهل والخطأ - وإنما الخلاف في حدود التأويل الذي يعذر صاحبه والذي لا يعذر، يقول الإمام ابن حزم - رحمه الله: (ومن بلغه الأمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، من طريق ثابتة، و هو مسلم، فتأول في خلافه إياه، أو رد ما بلغه بنص آخر، فلما لم تقم عليه الحجة في خطئه في ترك ما ترك، وفي الأخذ بما أخذ، فهو مأجور معذور، لقصده إلى الحق، وجهله به، وإن قامت عليه الحجة في ذلك، فعاند فلا تأويل بعد قيام الحجة ) ) [1] (.وقرر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - في مواضع، واستدل بقصة الرجل من بني إسرائيل، وقدامة بن مظعون وغيرها، قال - رحمه الله: (والتكفير هو من الوعيد، فإنه وإن كان القول تكذيبًا لما قاله الرسول صلى الله عليه وسلم فقد يكون الرجل حديث عهد بإسلام، أو نشأ ببادية بعيدة، ومثل هذا لا يكفر بجحد ما يجحده حتى تقوم عليه الحجة، وقد يكون الرجل لم يسمع تلك النصوص، أو سمعها ولم تثبت عنده، أو عارضها عنده معارض آخر أوجب تأويلها، وإن كان مخطئًا، وكنت دائمًا أذكر الحديث الذي في الصحيحين في الرجل الذي قال:(إذا أنا مت فأحرقوني، ثم أسحقوني، ثم ذروني في اليم، فوالله لأن قدر الله على ليعذبني عذابًا ما عذبه أحدًا من العالمين، ففعلوا به ذلك، فقال الله له ما حملك على ما فعلت، قال: خشيتك، فغفر له ) ) [2] (فهذا الرجل شك في قدرة الله، وفي إعادته إذا ذري، بل اعتقد أنه لا يعاد، وهذا كفر باتفاق المسلمين، لكن كان جاهلًا لا يعلم ذلك، وكان مؤمنًا يخاف الله أن يعاقبه، فغفر له بذلك، والمتأول من أهل الاجتهاد الحريص على متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم أولى بالمغفرة من مثل هذا ) ) [3] (، وقال أيضًا:(إن القول قد يكون كفرًا كمقالات الجهمية الذين قالوا: إن الله لا يتكلم ولا يرى في الآخرة، ولكن قد يخفى على بعض الناس أنه كفر فيطلق القول بتكفير القائل، كما قال السلف: من قال القرآن مخلوق فهو كافر، ومن قال: إن الله لا يرى في الآخرة فهو كافر، ولا يكفر الشخص المعين حتى تقوم عليه الحجة كما تقدم، كمن جحد وجوب الصلاة، والزكاة، واستحل الخمر والزنا وتأول، فإن ظهور تلك الأحكام بين المسلمين أعظم من ظهور هذه، فإن كان المتأول المخطيء في تلك لا يحكم بكفره إلا بعد البيان له واستتابته - كما فعل الصحابة في الطائفة الذين استحلوا الخمر) [4] (، ففي غير ذلك
(1) الدره فيما يجب اعتقاده لابن حزم 414.
(2) مضى تخريجه والكلام عليه ص 223.
(3) مجموع الفتاوى 3/ 231.
(4) كقدامة ابن مظعون وأصحابه رضي الله عنهم، روى ذلك عبد الرزاق في المصنف 9/ 240، 242، وابن أبي شيبة 9/ 546، والبيهقي في سننه 8/ 16، وأخرجها أبو الشيخ وابن مردويه والحاكم وابن المنذر كما في الدر المنثور 3/ 161، 174، وابن السكن كما في الإصابة 3/ 228، 229، والجوزجاني كما في منهاج السنة 6/ 84، وفي بعض الروايات ذكر قدامة، وبعضها لم يذكر.