قال الإمام ابن رشد الحفيد - رحمه الله: (ومعنى التكفير بالمآل: أنهم لا يصرحون بقول هو كفر، ولكن يصرحون بأقوال يلزم عنها الكفر وهم لا يعتقدون ذلك اللزوم ) ) [2] (. أما اللازم فمعناه: ما يمتنع انفكاكه عن الشيء، وقد يكون هذا اللازم بينًا وهو الذي يكفي تصوره مع ملزومه في جزم العقل باللزوم بينهما، وقد يكون غير بين، وهو الذي يفتقر جزم الذهن باللزوم بينهما إلى وسيط) [3] (، والذي يظهر من كلام الأئمة أنهم لا يفرقون في الحكم بين اللوازم البينة الظاهرة، واللوازم الخفية، فإن الإنسان قد يذهل عن اللازم القريب، بل غالب كلامهم عن اللوازم البينة التي ثبت لزومها، فإذا ثبت عدم المؤاخذة بها وعدم لزومها، فالخفية من باب أولى) [4] (.
أقوال الأئمة في ذلك:
قال الإمام ابن حزم - رحمه الله: (وأما من كفر الناس بما تؤول إليه أقوالهم فخطأ لأنه كذب على الخصم، وتقويل له ما لم يقل به، وإن لزمه، فلم يحصل على غير التناقض فقط، والتناقض ليس كفرًا، بل قد أحسن إذ فر من الكفر ... ) ) [5] (.
وتكلم شيخ الإسلام من هذه المسألة في مواضع، ومنها قوله - رحمه الله:( ... لازم قول الإنسان نوعان:
أحدهما: لازم قوله الحق، فهذا مما يجب عليه أن يلتزمه، فإن لازم الحق حق، ويجوز أن يضاف إليه إذا علم من حاله أنه لا يمتنع من التزامه بعد ظهوره، وكثير مما يضيفه الناس إلى مذاهب الأئمة: من هذا الباب.
الثاني: لازم الذي ليس بحق، فهذا لا يجب التزامه، إذ أكثر ما فيه أنه قد تناقص، وقد ثبت أن التناقص واقع من كل عالم غير النبيين، ثم إن عرف من حاله: أنه يلتزمه بعد ظهوره له، فقد يضاف إليه، وإلا فلا يجوز أن يضاف إليه قول لو ظهر له فساده لم يلتزمه، لكونه قد قال ما يلزمه وهو لا يشعر بفساد ذلك القول ولا يلزمه، وهذا التفصيل في اختلاف الناس في لازم المذهب هل هو مذهب؟ أو ليس بمذهب هو أجود من إطلاق أحدهما، فما كان من اللوازم يرضاه القائل بعد وضوحه له فهو قوله، وما لا يرضاه فليس قوله وإن كان متناقضًا ... )) [6] (، ويقول أيضًا:
(1) لازم قول الإنسان نوعان، لازم قوله الحق، واللوازم الباطلة، واللازم له ثلاث حالات، الأولى: أن يذكر للقائل ويلتزم به، الثانية: أن يذكره، ويمنع التلازم بينه وبين قوله، الثالثة: أن يكون اللازم مسكوتًا عنه فلا يذكر بالتزام ولا منع، انظر القواعد المثلى للشيخ محمد العثيمين ص 12، وحديثنا هنا سيقتصر على اللوازم الباطلة المسكوت عنها.
(2) بداية المجتهد 2/ 492.
(3) انظر التعريفات للجرجاني 199 - 200.
(4) شرح نونية ابن القيم د. محمد خليل هراس 2/ 235.
(5) الفصل 3/ 250.
(6) مجموع الفتاوى 29/ 41، 42.