ويذهب الأزارقة إلى القول بتكفير مرتكب الصغيرة [1] ، وينسب هذا القول - أيضًا - إلى طائفة من الصفرية [2] ، أما النجدات فيكفرون المصر على الذنب سواء كان الذنب صغيرًا أو كبيرًا، ولا يكفرون غير المصر و إن عمل الكبائر إذا كان من موافقيهم. [3]
مما سبق نلاحظ، الاتفاق بين أهل السنة والوعيدية - من حيث الإجمال - في مسألة تقسيمهم الذنوب إلى صغائر وكبائر، وعلى تعريفهم الكبيرة، ويختلفون عمن يكفر مرتكب الصغيرة أو المصر عليها، فإذا كان أهل السنة لا يكفرون مرتكب الكبيرة، ولا المصر عليها [4] ، فعدم تكفير المصر على الصغيرة من باب أولى. وهذا واضح، ومع مخالفة الوعيدية- لأهل السنة - في هذه الأمور على التفصيل، أعني مسألة تعريف الإيمان، وزيادته ونقصانه والفرق بين الكبائر والصغائر. إلا أن القضية الكبرى التي هي مدار خلاف طويل عريض بين أهل السنة والجماعة والوعيدية هى مسألة الحكم على مرتكب الكبيرة، وهذا ما سنفصله فيما يلي:
يتفق رأي المعتزلة والأباضية [5] في الحكم على مرتكب الكبيرة، فكلاهما لا يرى أن مرتكب الكبيرة يخرج من الملة في الدنيا، ويرون خلوده في النار في الآخرة، و إن اختلفوا في اسمه، حيث يقول المعتزلة بأنه في"منزلة بين المنزلتين"وهو أحد أصولهم الخمسة، ويقول الأباضية بأنه كافر كفر نعمة، فالخلاف بينهم لفظي. [6]
أ- رأي المعتزلة:
يلخص القاضي عبد الجبار مذهب المعتزلة في مرتكب الكبيرة ( .. فيقول: وجملة القول في ذلك أن الغرض بهذا الباب أن صاحب الكبيرة لا يسمى مؤمنًا ولا كافرًا، وإنما يسمى فاسقًا، والذي دل على الفصل الأول، وهو الكلام في أن صاحب الكبيرة لا يسمى مؤمنًا، هو ما قد ثبت أنه يستحق بارتكاب الكبيرة الذم واللعن والاستخفاف والإهانة، وثبت أن اسم المؤمن صار بالشرع اسمًا لمن يستحق المدح والتعظيم والموالاة، فإذا قد ثبت هذا من الأصلين، فلا اشكال في أن صاحب الكبيرة لا يجوز أن يسمى مؤمنًا .. وهذه الجملة تنبني على أن المؤمن صار بالشرع اسمًا لمن يستحق المدح والتعظيم، و أنه غير مبقي على موضوع اللغة، و أما الذي دل على أنه صار بالشرع اسمًا لمن يستحق المدح والتعظيم، هو أنه تعالى لم يذكر اسم المؤمن إلا وقد قرن إليه المدح والتعظيم ألا ترى إلى قوله تعالى: قد أفلح
(1) مشارق الأنوار 2/ 203.
(2) الإيمان لأبي عبيد، 102، وانظر آراء أخرى للصفرية، التبصير في الدين للإسفراييني 53.
(3) الفصل 4/ 190، الفرق بين الفرق 89.
(4) سبق بيان أدلة أهل السنة على ذلك بشكل مفصل في الفصل الثاني فليراجع.
(5) سنشير في آخر الفقرة إلى آراء فرق الخوارج في مرتكب الكبيرة.
(6) وقد صرح بذلك بعض علمائهم كما سيأتي.