فهرس الكتاب

الصفحة 139 من 348

إذًا يمكن أن نستنتج من كلامهم السابق، أنهم يقولون بالزيادة والنقصان - باعتبارات معينة - أما نفي الزيادة والنقصان الوارد عنهم، فالمقصود به عندهم نفي ذلك عن التصديق. قال ملا قاري: (وذكر ابن الهمام أن الحنفية ومعهم إمام الحرمين لا يمنعون الزيادة والنقصان، باعتبار جهات هي غير نفس ذات التصديق، بل يتفاوت بتفاوت المؤمن به عند الحنفية ومن وافقهم لا بسبب تفاوت التصديق) [1] ، وقال أيضًا: (فالتحقيق أن الإيمان كما قال الإمام الرازي لا يقب-ل الزيادة والنقصان من حيثية أصل التصديق لا من جهة اليقين، فإن مراتب أهلها مختلفة في كمال الدين ... وعلى هذا فالمراد بالزيادة والنقصان القوة والضعف فإن التصديق بطلوع الشمس أقوى من التصديق بحدوث العالم، و إن كانا متساويين في أصل تصديق المؤمن به، ونحن نعلم قطعًا أن إيمان آحاد الأمة ليس كإيمان النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا كإيمان أبي بكر الصديق رضي الله عنه باعتبار هذا التحقيق. [2]

واقترب بعضهم أكثر من مذهب السلف فصرح بأن التصديق أيضًا قابل للزيادة والنقصان، قال الإيجي [3] :( ... والحق أن التصديق يقبل الزيادة والنقصان بوجهين.

الأول: القوة والضعف ... والثاني: التصديق التفصيلي في أفراد ما علم مجيئه به، جزء من الإيمان يثاب عليه ثوابه على تصديق بالإجمال، والنصوص دالة على قبوله لهما ... ) [4] .

وجوز البغدادي الزيادة والنقصان، رغم تعريفه الإيمان بالمعرفة والتصديق، فقال بعد ما ساق الآيات الدالة على ذلك: (ففي هذه الآيات تصريح بأن الإيمان يزيد و إذا صحت الزيادة فيه، كان الذي زاد إيمانه، قبل الازدياد أنقص إيمانًا منه في حال الازدياد) [5] .

يتفق الأشاعرة والماتريدية - من حيث الأجمال - مع أئمة السلف في عدم تكفير مرتكب الكبيرة و أنه تحت المشيئة، إن شاء عذبه ثم لا يخلد في النار، يخرج منها بالشفاعة وبغيرها، قال النسفي ملخصًا مذهبهم في ذلك: ( ... و أما أهل الحق فإنهم يقولون: إن من اقترف كبيرة غير مستحل لها، ولا مستخف بمن نهى عنها، بل لغلبة شهوة أو حمية يرجو الله تعالى أن يغفر له، ويخاف أن يعذبه عليها، فهذا اسمه المؤمن، وبقي على ما كان عليه من الإيمان ولم يزل عنه إيمانه، ولم ينتقص، ولا يخرج من الإيمان إلا من الباب الذي دخله، وحكمه أنه لو مات من غير توبة فلله

(1) شرح الفقه الأكبر 114.

(2) شرح الفقه الأكبر 70.

(3) الإيجي هو عبد الرحمن بن أحمد بن عبد الغفار، عضد الدين الإيجي، عالم بالأصول العربية، من أهل (إيج) بفارس ولي القضاء، جرت له محنة فمات مسجونًا، من تصانيفه"المواقف"، و"شرح مختصر ابن الحاجب"وغيرها توفي سنة 756 ه- انظر الدرر الكامنة 2/ 322، وطبقات السبكي 6/ 108، والأعلام 3/ 295.

(4) المواقف 388.

(5) أصول الدين 253.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت