سنشير - بإيجاز - إلى بعض المسائل المهمة المتعلقة بمفهوم الإكراه وأنواعه.
أ- ما الحكم لو أكره المرء على قتل معصوم؟
نقل الأئمة الإجماع على أنه لا يحل للمرء أن يفدي نفسه بقتل غيره، وممن نقل ذلك الإمام ابن العربي والقرطبي وابن رجب - رحمهم الله - قال القرطبي: (أجمع العلماء على أن من أكره على قتل غيره، أنه لا يجوز له الإقدام على قتله ولا انتهاك حرمته بجلد أو غيره، ويصبر على البلاء الذي نزل به، ولا يحل له أن يفدي نفسه بغيره، ويسأل الله العافية في الدنيا والآخرة) [1] (. وقال الإمام ابن رجب - رحمه الله:(اتفق العلماء على أنه لو أكره على قتل معصوم لم يصح له أن يقتله، فإنه إنما يقتله باختياره افتداء لنفسه من القتل، هذا إجماع من العلماء المعتد بهم ... ) ) [2] (. لكن إن قتله فما الحكم يقول ابن رجب:(فإذا قتله في هذه الحال فالجمهور على أنهما يشتركان في وجوب القود المكرِه والمكرَه لاشتراكهما في القتل، وهو قول مالك والشافعي في المشهور عنه وأحمد، وقيل يجب على المكرِه وحده، لأن المكَره صار كالآلة، وهو قول أبي حنيفة وأحد قولي الشافعي، وروى عن زفر كالأول، وروى عنه أنه يجب على المكَره لمباشرته، وليس هو كالآلة، لأنه آثم بالاتفاق ... ) ) [3] (.
ب- هل يفرق بين الأقوال والأفعال؟
لا خلاف بين الفقهاء في أن أفعال القلوب كالحب والبغض لا مجال للإكراه فيها) [4] (. ومحل الإكراه أفعال الجوارح من الأقوال والأفعال، فهل هناك فرق في الرخصة بين الإكراه على القول، والإكراه على الفعل؟
يقول الإمام القرطبي في حكاية الخلاف في هذه المسألة:(ذهبت طائفة من العلماء إلى أن الرخصة إنما جاءت في القول، وأما في الفعل فلا رخصة فيه، مثل أن يكرهوا على السجود لغير الله أو الصلاة لغير القبلة، أو قتل مسلم أو ضربه أو أكل ماله، أو الزنى وشرب الخمر وأكل الربا، يروى هذا عن الحسن البصري، وهو قول الأوزاعي وسحنون
وقالت طائفة: الإكراه في الفعل والقول سواء إذا أسر الإيمان، روى ذلك عن عمر بن الخطاب ومكحول، وهو قول مالك وطائفة من أهل العراق ... ) [5] (.
(1) تفسير القرطبي 10/ 183، وانظر أحكام القرآن لابن العربي 3/ 1177، فتح الباري 12/ 312.
(2) جامع العلوم والحكم 354.
(3) جامع العلوم والحكم 354، انظر مناقشة لهذه الأقوال، عوارض الأهلية عند الأصوليين د. حسين الجبوري 488 - 492.
(4) الأشباه والنظائر للسيوطي 208.
(5) تفسير القرطبي 10/ 182، 183.