وق-ال الإمام ابن رجب - رحمه الله: (ولو أكره على شرب الخمر أو غيره من الأفعال المحرمة، ففي إباحته قولان:
أحدهما: يباح له ذلك استدلالًا بقوله تعالى: (ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنًا لتبتغوا عرض الحياة الدنيا ومن يكرهن فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم ) ) [1] ( ... وهذا قول الجمهور كالشافعي وأبي حنيفة، وهو المشهور عن أحمد، وروى نحوه عن الحسن ومكحول ومسروق، وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ما يدل عليه.
القول الثاني: أن التقاة تكون في الأقوال ولا تقاة في الأفعال ولا إكراه عليها، روي ذلك عن ابن عباس رضي الله عنهما وأبي العالية وأبي الشعثاء، والربيع بن أنس والضحاك وهو رواية عن أحمد، وروي عن سحنون أيضًا، وعلى هذا لو شرب الخمر أو سرق مكرهًا حد ... )) [2] (.
والصحيح عدم التفريق بين الأقوال والأفعال، لعموم قوله تعالى: من كفر بالله من بعد إيمانه، إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان )) [3] (.
فلم يفرق في الآية بين الأقوال والأفعال، قال الإمام الشوكاني: (وذهب الحسن البصري، والأوزاعي والشافعي وسحنون إلى أن هذه الرخصة المذكورة في هذه الآية، إنما جاءت في القول، وأما الفعل فلا رخصة، مثل أن يكره على السجود لغير الله، ويدفعه ظاهر الآية فإنها عامة فيمن أكره من غير فرق بين القول والفعل، ولا دليل لهؤلاء القاصرين للآية على القول، وخصوص السبب لا اعتبار مع عموم اللفظ ... ) ) [4] (.
وكذلك يقال: إذا أبيح للمكره سب الله ورسوله صلى الله عليه وسلم وهو أعظم أنواع الكفر، فمن باب أولى رفع الحرج عما دونه من الأقوال والأفعال.
ومن الأدلة على شمول العذر بالإكراه للأفعال قوله تعالى: (ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنًا لتبتغوا عرض الحياة الدنيا، ومن يكرههن، فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم ) ) [5] (.
قال الإمام الشوكاني - رحمه الله: (وشرط الله سبحانه هذا النهي بقوله(إن أردن تحصنًا) ، لأن الإكراه لا يتصور إلا عند إرادة الإحصان، ... وقيل إن هذا الشرط خرج مخرج الغالب، لأن الغالب أن الإكراه لا يكون إلا
(1) سورة النور، آية: 33.
(2) جامع العلوم والحكم 355، وانظر فتح الباري 12/ 314.
(3) سورة النحل، آية:106.
(4) فتح القدير 3/ 197.
(5) سورة النور، آية: 33.