تختلف فرق المرجئة في تعريفها للإيمان، وحاصل أقوالها يرجع إلى ثلاثة أقوال:
الأول: أن الإيمان مجرد المعرفة، وبعضهم يقول المعرفة والتصديق، ومن
هؤلاء، من يدخل عمل القلب كعامة فرق المرجئة، ومنهم من لا يدخل ذلك كجهم بن صفوان. [2]
الثاني: أن الإيمان مجرد قول اللسان وهو ما انفردت به الكرامية [3] دون سائر الفرق.
الثالث: تصديق القلب وقول اللسان وهو ما يسمى بإرجاء الفقهاء. [4]
(1) أ- قال الإمام الطبري- رحمه الله - (الإرجاء معناه ما بينا قبل من تأخير الشيء، فمؤخر أمر علي وعثمان- رضي الله عنهما - إلى ربهما، وتارك ولا يتهما والبراءة منهما، مرجئًا أمرهما فهو مرجيء، ومؤخر العمل والطاعة عن الإيمان ومرجئهما عنه فهو مرجيء) ، تهذيب الآثار 2/ 166، وانظر الملل والنحل للشهرستاني 1/ 139، والتوحيد للماتريدي 381 - 384، والفرق بين الفرق 202 والتبصير للإسفراييني 97.
ب- والمرجئة فرق عديدة ذكر الأشعري والملطي اثنتي عشرة فرقة - منهم مرجئة خالصة، ومنهم من يجمع مع الإرجاء بدعة أخرى كالجبر أو القدر ونحو ذلك. ويجمعهم إخراجهم العمل عن مسمى الإيمان، انظر مقالات الإسلاميين 132، الملل والنحل للشهرستاني 1/ 139، التنبيه والرد للملطي 146، الفرق بين الفرق 202 وغيرها.
ج- والمرجئة الخالصة لا وجود لها اليوم، لكن آراءها الأساسية في الإيمان دخلت ضمن آراء الأشاعرة والماتريدية، فالأشعري نقل عنه قولان في الإيمان أحدهما: انتصاره لمذهب السلف، كما في المقالات 293.
الثاني: وهو المشهور عنه - انتصاره لقول جهم في الإيمان، وعليه أكثر أصحابه كالباقلاني والجويني وغيرهم وهو الذي استقر عليه المذهب، لكنهم عرفوا الإيمان بأنه التصديق، بدل المعرفة.
وكذلك الماتريدية، نقل عنهم قولان، الأول: أن الإيمان هو الإقرار والتصديق، كما هو المنقول عن الإمام أبي حنيفة رحمه الله.
والثاني: ما ذهب إليه أبو منصور الماتريدي- وهو من أشهر متكلمي الأحناف - حيث نصر قول جهم في الإيمان واستدل بنفش بهات مرجئة الفقهاء، وجعل قول اللسان أو الإقرار شرطًا لإجراء الأحكام في الدنيا وليس شطرًا من الإيمان، و إلى هذا القول ذهب عامة الأحناف من بعده، بل ذهبوا إلى الأخذ بالمذهب الماتريدي في عامة أبواب العقيدة وبذلك يلتقي المذهب الماتريدي بالمذهب الأشعري، في هذه المسألة - حيث جعلوا الإيمان مجرد التصديق، وهذا الذي استقر عليه المذهب الارجائي في طوره الأخير، ولذلك سنقتصر في هذه الفقرة المختصرة بمناقشة هذه الرأي دون سائر آرائهم، انظر في إيضاح ما سبق الإيمان الأوسط 51، 52، 124، الإيمان 114، 115، 184، شرح الفقه الأكبر 69، شرح العقيدة النسفية 65، 56، رسالة الإيمان لمحمد العجلان، مطبوع على الآلة 31 - 37، رسالة الشيخ سفر الحوالي ظاهرة الإرجاء في الفكر الإسلامي 257 - 296، ولمعرفة الخلاف بين الأشاعرة والماتريدية في هذه المسألة وفي غيرها، انظر مقدمة كتاب التوحيد للماتريدي د. على عبد الفتاح المغربي 422 - 436، ونظم الفرائد وجمع الفوائد، لشيخ زاده والروضة البهية فيما بين الأشعرية والماتريدية لأبي عذبه وغيرها.
(2) الجهم بن صفوان: السمرقندي، أبو محرز، قال عنه الذهبي،"رأس الجهمية .. زرع شرًا عظيمًا"وهو من أكثر الشخصيات أثرًا على عامة الفرق الكلامية حيث فتح باب التأويل، وقال بالجبر، و أن الإيمان، المعرفة فقط، و أن الجنة والنار تفنيان، أمر بقتله نصر بن سيار فقتل سنة 128 ه-، انظر ميزان الاعتدال 1/ 426، ولسان الميزان 2/ 124، وخطط المقريزي 2/ 349، 351 والأعلام للزركلي 2/ 141.
(3) الكرامية: أتباع محمد بن كرام، أبو عبد الله السجستاني (ت 255) من بدعهم المشهورة، قولهم بأن الله جسم، و أنه محل للحوادث، وقولهم: إن الإيمان هو الإقرار والتصديق باللسان، و أنكروا أن تكون معرفة القلب أو عمل الجوارح من الإيمان، وزعموا أن المنافقين مؤمنون على الحقيقة، مستحقون للعقاب في الآخرة، فنازعوا في اسمه لا في حكمه، يقول شيخ الإسلام - رحمه الله: - (وهذا القول هو الذي اختصت به الكرامية، وابتدعته، ولم يسبقها أحد إلى هذا القول، وهو آخر ما أحدث من الأقوال في الإيمان .. ) الفتاوي 13/ 56، قال الذهبي - رحمه الله: (وكانت الكرامية كثيرين بخراسان، ولهم تصانيف، ثم قلوا وتلاشوا، نعوذ بالله من الأهواء) سير أعلام النبلاء 11/ 524، وانظر في مذهبهم وأخبارهم الملل والنحل للشهرستاني 1/ 108/114، التبصير في الدين 111 - 117، البداية والنهاية 11/ 20، وسير أعلام النبلاء 11/ 523 - 524، والأعلام 7/ 14، وغيرها.
(4) مرجئة الفقهاء:
اشتهر إطلاق هذا المصطلح على الإمام أبي حنيفة وأصحابه بسبب موافقتهم المرجئة في إخراج الأعمال عن مسمى الإيمان، ولذلك يسمى هذا المذهب- أحيانًا - بمذهب الحنفية، وقد عرف هذا القول عند متقدميهم، قبل ظهور الإمام أبي منصور الماتريدي، فلما ظهر تأثر به عامة الأحناف، فصاروا يقولون بقوله: إن الإيمان هو التصديق، وقول اللسان شرط لإجراء الأحكام في الدنيا، كالقول المشهور عند الأشاعرة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله: ( ... وهؤلاء المعرفون مثل حماد بن أبي سليمان، و أبي حنيفة وغيرهما من فقهاء الكوفة، كانوا يجعلون قول اللسان، واعتقاد القلب من الإيمان، وهو قول أبي محمد بن كلاب وأمثاله، ولم يختلف قولهم في ذلك، ولا نقل عنهم أنهم قالوا: الإيمان مجرد تصديق القلب) الأوسط 50 الإيمان 114.
وذكر الإمام أبو الحسن الأشعري - رحمه الله - الإمام أبا حنيفة وأصحابه رحمهم الله ضمن فرق المرجئة المقالات 138 وانظر الفصل 3/ 188، وقال الإمام ابن عبد البر - رحمه الله: (أجمع أهل الفقه والحديث على أن الإيمان قول وعمل، ولا عمل إلا بنية، و الإيمان عندهم يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، والطاعات كلها عندهم إيمان، إلا ما ذكر عن أبي حنيفة وأصحابه، فإنهم ذهبوا إلى أن الطاعات لا تسمى إيمانًا، قالوا: إنما الإيمان التصديق و الإقرار، ومنهم من زاد: والمعرفة ... ) التمهيد 9/ 238.
وقال الإمام الطحاوي - رحمه الله - وهو من أئمة الأحناف المتقدمين (و الإيمان: هو الإقرار باللسان، والتصديق بالجنان، وجميع ما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم - من الشرع والبيان كله حق .. ) قال الشارح ابن أبي العز الحنفي - رحمه الله: (وذهب كثير من أصحابنا إلى ما ذكره الطحاوي - رحمه الله:(أنه الإقرار باللسان، والتصديق بالجنان .. ) شرح الطحاوية 373، وانظر المسامرة على المسايرة 865
وهذا يتفق مع ما نسب إلى الإمام أبي حنيفة - رحمه الله - حيث قال (في كتاب الوصية) : (الإيمان إقرار باللسان، وتصديق بالجنان، و الإقرار وحده لا يكون إيمانًا لأنه لو كان إيمانًا لكان المنافقون كلهم مؤمنين، وكذلك المعرفة وحدها أي مجرد التصديق لا يكون إيمانًا لأنها لو كانت إيمانًا لكان أهل الكتاب كلهم مؤمنين ... ) شرح الفقه الأكبر 68، 69.
وجاء في الفقه الأكبر: (ولا نكفر مسلمًا بذنب من الذنوب، و إن كان كبيرة، إذا لم يستحلها، ولا نزيل عنه اسم الإيمان، ونسميه مؤمنًا حقيقة، ويجوز أن يكون مؤمنًا فاسقًا غير كافر .. ولا نقول: إن المؤمن لا تضره الذنوب، و أنه لا يدخل النار، ولا أنه يخلد فيها و إن كان فاسقًا، بعد أن يخرج من الدنيا مؤمنًا ... ) شرح الفقه الأكبر 58 - 61، وانظر شرح الطحاوية 355، لكن ما حقيقة الخلاف بين الإمام أبي حنيفة وبقية الأئمة رحمهم الله في هذه المسألة؟
يلخص شيخ الإسلام هذا الخلاف بقوله: ( ... ومما ينبغي أن يعرف أن أكثر التنازع بين أهل السنة في هذه المسألة هو نزاع لفظي، و إلا فالقائلون بأن الإيمان قول، من الفقهاء كحماد بن أبي سليمان وهو أول من قال ذلك، ومن اتبعه من أهل الكوفة وغيرهم متفقون مع جميع علماء السنة على أن أصحاب الذنوب داخلون تحت الذم والوعيد، و إن قالوا: إن إيمانهم كامل كإيمان جبريل فهم يقولون: إن الإيمان بدون العمل المفروض ومع فعل المحرمات يكون صاحبه مستحقًا للذم والعقاب، كما تقول الجماعة، ويقولون، أيضًا بأن من أهل الكبائر من يدخل النار كما تقول الجماعة ... .) الإيمان 281، 282.
وقال: (وحدثت"المرجئة"وكان أكثرهم من أهل الكوفة، فقالوا: إن الأعمال ليست من الإيمان، وكانت هذه البدعة أخف البدع، فإن كثيرًا من النزاع فيها نزاع في الاسم واللفظ دون الحكم ... ) الفتاوي 13/ 83، وقال أيضًا: ( ... ولهذا لم يكفر أحد من السلف أحدًا من مرجئة الفقهاء، بل جعلوا هذا من بدع الأقوال والأفعال، لا من بدع العقائد، فإن كثيرًا من النزاع فيها لفظي، لكن اللفظ المطابق للكتاب والسنة هو الصواب، فليس لأحد أن يقول بخلاف قول الله ورسوله، لا سيما وقد صار ذلك ذريعة إلى بدع أهل الكلام من أهل الإرجاء وغيرهم، و إلى ظهور الفسق، فصار ذلك الخطأ اليسير في اللفظ، سببًا لخطأ عظيم في العقائد و الأعمال .. ) الإيمان 377، وانظر نصوصًا أخرى عن شيخ الإسلام في الإيمان 183، و الإيمان الأوسط 97,96، 117، وانظر شرح الطحاوية 374، 375، 379 وخلاصة ما نستفيده من هذا الإيضاح ما يلي:
1 -أن أكثر التنازع (وليس جميعه) بين الأئمة ومرجئة الفقهاء لفظي، وفي الأسماء دون الأحكام.
2 -أن هذا الخلاف و إن كان في الأصل لا يترتب عليه أثر عملي، إلا أن شيخ الإسلام عده من بدع الأقوال والأفعال.
3 -وسبب اعتباره من بدع الألفاظ، عدولهم عن الألفاظ المطابقة للكتاب والسنة، في مسألة دخول العمل في مسمى الإيمان، و مسألة الزيادة والنقصان .. الخ.
4 -أن هذا القول: صار ذريعة وطريقًا استند عليه المرجئة المتكلمون، ولذلك نجد بينهم تشابهًا في عامة استدلالهم، (فصار ذلك الخطأ اليسير في اللفظ، سببًا لخطأ عظيم في العقائد والأعمال) الإيمان 377.
5 -أنه ذريعة إلى ظهور الفسق والمعاصي، ( ... بأن يقول: أنا مؤمن مسلم حقا كامل الإيمان و الإسلام، ولي من أولياء الله، فلا يبالي بما يكون منه من المعاصي) شرح الطحاوية ولذلك ندرك أن الأسلم والأصح أن لا يقال: إن الخلاف صوري أو لفظي بإطلاق، فضلًا عن أن يقال: إن هذا الخلاف لا محذور فيه، أو لا يترتب عليه فساد اعتقاد والله اعلم.
انظر فيما يتعلق بمذهب الإمام أبي حنيفة وأصحابه - رحمهم الله - في مسألة الإيمان، ظاهرة الإرجاء د. سفر الحوالي 289 - 295 الفرق الكلامية مدخل ودراسة، د. علي المغربي 367 - 375، حقيقة الإيمان محمد المصري 193 - 219، الإيمان لمحمد العجلان 57 - 67.