فهرس الكتاب

الصفحة 134 من 348

ولما كان جميع المرجئة يجمعهم في تعريف الإيمان عدم إدخالهم العمل في مسماه، فسنقصر حديثنا عما استقر عليه الإرجاء في طوره الأخير، حيث تبنى جمهور الأشاعرة والماتريدية مذهب جهم في الإيمان - و إن لم يلتزم كثير منهم لوازمه - و إليك بعض النقولات المختصرة عن أئمتهم [1] المبينة لذلك، ثم نذكر أهم أدلتهم:

قال الأشعري في اللمع:(فإن قال قائل ما الإيمان عندكم بالله تعالى؟ قيل إنه هو التصديق بالله، وعلى ذلك إجماع أهل اللغة التي نزل بها القرآن ... فلما كان الإيمان في اللغة التي نزل بها القرآن الكريم هو التصديق - قال تعالى: وما أنت

بمؤمن لنا لو كنا صادقين [2] أي بمصدق لنا، وقالوا جميعًا، فلان يؤمن بعذاب القبر والشفاعة يريدون يصدق بذلك - وجب أن يكون الإيمان هو ما كان عند أهل اللغة إيمانًا وهو التصديق) [3] .

2 -وقال البغدادي: [4] الطاعات عندنا أقسام: أعلاها يصير بها المطيع عند الله مؤمنًا ويكون عاقبته لأجلها الجنة إن مات عليها، وهي معرفة أصول الدين في العدل والتوحيد والوعد والوعيد والنبوات والكرامات ومعرفة أركان شريعة الإسلام وبهذه المعرفة يخرج من الكفر، والقسم الثاني إظهار ما ذكرناه باللسان مرة واحدة وبه يسلم من الجزية والقتال والسبي والاسترقاق وبه تحل المناكحة واستحلال الذبيحة والموارثة والدفن في مقابر المسلمين والصلاة عليه وخلفه، والقسم الثالث: إقامة الفرائض واجتناب الكبائر وبه يسلم من دخول النار ويصير به مقبول الشهادة، والقسم الرابع منها، زيادة النوافل وبها يكون له الزيادة في الكرامة والولاية .. ) [5] فالبغدادي - كما نلاحظ من النص - يقرر أن المعرفة وحدها كافية لخروج المرء من الكفر وللنجاة عند الله، ويجعل قول اللسان شرطًا لإجراء الأحكام الدنيوية وليس جزءًا من الإيمان.

3 -ومثله قول أبي المعين النسفي [6] : (الإيمان في اللغة عبارة عن التصديق، فكل من صدق غيره فيما يخبره يسمى في اللغ--ة مؤمنًا به، ومؤم-نًا به، قال الله تعالى خبرًا عن إخوة يوسف صلوات الله عليهم: وما أنت بمؤمن

(1) (*) سأختار نقولات متفرقة في عصور مختلفة، من كتبهم المشهورة المتداولة، لنعطي من خلالها تصورًا مجملًا لمذهبهم في هذه المسألة، وسأترك التعليق لوضوح هذه الأقوال ودلالتها الصريحة على المقصود.

(2) سورة يوسف، آية: 17

(3) اللمع لأبي الحسن الأشعري 123، وانظر نصا مشابهًا في التمهيد للباقلاني 346 - 347.

(4) عبد القاهر بن طاهر بن محمد البغدادي الإسفراييني، من أئمة الأصول والكلام، ولد ونشأ ببغداد، ورحل إلى خراسان واستقر بنيسابور، كان يدرس في سبعة عشر فنا، درس على الأستاذ أبي إسحاق الإسفراييني، وقعد بعده للإملاء مكانه، وحمل عنه العلم أكثر أهل خراسان له تصانيف كثيرة أشهرها، الفرق بين الفرق، وأصول الدين، مات في إسفرائين سنة 429 ه-، انظر طبقات الشافعية 3/ 238، وفيات الأعيان، 1/ 298، الأعلام 4/ 48.

(5) أصول الدين للبغدادي 268.

(6) أبو المعين النسفي: ميمون بن محمد بن مكحول النسفي، نسبة إلى"نسف"من بلاد ما وراء النهر، أبرز شخصيات المدرسة الماتريدية بعد الماتريدي، صنف عدة مصنفات في نصرة مذهبه أبرزها كتاب تبصرة الأدلة، والتمهيد في أصول الدين، توفي سنة 508 ه-، انظر الأعلام 7/ 341، هدية العارفين 2/ 487، ترجمة موسعة في مقدمة كتابه التمهيد د. عبد الحي قابيل 2 - 23، وله رسالة مستقلة"أبو المعين النسفي وأراؤه الكلامية"، وانظر الفرق الكلامية الإسلامية د. علي المغربي 380 - 427.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت