مر معنا في المبحث السابق اتفاق السلف على عدم تكفير المعين إلا بعد قيام الحجة؟ فما أدلتهم على ذلك؟ وبم تقوم الحجة؟ وما الفرق بين بلوغ الحجة وفهمها.
كل هذه المسائل سنحاول- إن شاء الله - الإجابة عليها بما يتيسر من الأدلة وكلام أهل العلم، سائلين المولى عز وجل التوفيق والسداد.
1 -التكفير والتعذيب بعد قيام الحجة:
استدل أهل السنة بأدلة كثيرة على أن التكفير، والتعذيب [1] لا يكون إلا بعد قيام الحجة ومنها قوله تعالى: {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولًا} [2] وقوله عز وجل: {رسلًا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل} [3] وقوله تعالى: {كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير قالوا بلى قد جاءنا نذير فكذبنا وقلنا ما نزل الله من شيء} [4] وقال تعالى: {يا معشر الجن و الإنس ألم يأتكم رسل منكم يتلون عليكم آياتي وينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا بلى شهدنا على أنفسنا وغرتهم الحياة الدنيا وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين} [5] وقوله تعالى: {ما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها رسولا يتلو عليهم آياتنا} [6] . وقوله تعالى: {أو لم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر وجاءكم النذير} [7] .
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله:"الكتاب والسنة قد دلا على أن الله لا يعذب أحدًا إلا بعد إبلاغ الرسالة، فمن لم تبلغه جملة لم يعذبه رأسًا، ومن بلغته جملة دون بعض التفصيل لم يعذبه إلا على إنكار ما قامت عليه الحجة الرسالية) .. ثم ذكر عددًا من الأدلة منها ما ذكرنا وغيرها إلى أن قال: (فمن قد آمن بالله ورسوله، ولم يعلم بعض ما جاء به الرسول، فلم يؤمن به تفصيلًا، أما أنه لم يسمعه، أو سمعه من طريق لا يجب التصديق بها، أو اعتقد معنى آخر لنوع من التأويل الذي يعذر به، فهذا قد جعل فيه من الإيمان بالله ورسوله ما يوجب أن الله عليه، وما لم يؤمن به [8] لم تقم عليه به الحجة التي يكفر مخالفها) [9] ."
(1) سيأتي إيضاح ذلك عند الكلام عن حكم من لم تبلغهم الدعوة.
(2) سورة الإسراء، آية: 15.
(3) سورة النساء، آية: 165.
(4) سورة الملك، آية: 7 - 9.
(5) سورة الأنعام، آية: 130.
(6) سورة القصص، آية: 59.
(7) سورة فاطر، آية: 37.
(8) أي تفصيلًا.
(9) مجموع الفتاوي 12/ 493، 494، وانظر 17/ 308.