ذهب جمهور أهل السنة إلى انقسام الذنوب إلى صغائر وكبائر، وحكى الإمام ابن القيم الإجماع على ذلك حيث قال: (والذنوب تنقسم إلى صغائر وكبائر بنص القرآن والسنة وإجماع السلف وبالاعتبار) [1] . واستدلوا لذلك بعدة أدلة منها:
1 -قوله تعالى: (إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم) [2] .
قال القرطبي (لما نهى تعالى في هذه السورة عن آثام هي كبائر وعد على اجتنابها التخفيف من الصغائر، دل هذا على أن في الذنوب كبائر وصغائر وعلى هذا جماعة أهل التأويل وجماعة الفقهاء) [3] .
وقال الإمام الشوكاني: (( أي إن تجتبوا كبائر الذنوب التي نهاكم الله عنها نكفر عنكم سيئاتكم أي ذنوبكم التي ه-ي صغائر، وحمل السيئات على الصغائر هنا متعين لذكر الكبائر قبلها وجعل اجتنابها شرطًا لتكفير السيئات) [4] .
2 -قوله عز وجل: (الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم) [5] ، هذه الآية صريحة الدلالة في تقسيم الذنوب إلى كبائر وصغائر على خلاف بين العلماء في المقصود باللمم.
فقد اختلف السلف في معين (( اللمم ) )على قولين مشهورين، قال الإمام ابن القيم رحمه الله: (فأما اللمم فقد روي عن جماعة من السلف: أنه الإلمام بالذنب مرة، ثم لا يعود إليه، وإن كان كبيرًا: قال البغوي: هذا قول أبي هريرة ومجاهد والحسن ورواية عطاء عن ابن عباس .. والجمهور على أن اللمم مادون الكبائر، وهو أصح الروايتين عن ابن عباس، كما في صحيح البخاري من حديث طاووس عنه قال:(( ما رأيت أشبه باللمم مما قاله أبو هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم: (( إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنا أدرك ذلك لا محالة فزنا العين النظر، وزنا اللسان النطق، والنفس تمنى وتشتهي والفرج يصدق ذلك أو يكذبه ) ) [6] .. إلي أن قال رحمه الله: والصحيح: قول الجمهور: أن اللمم صغائر الذنوب، كالنظرة، والغمزة، والقبلة، ونحو ذلك. هذا قول جمهور الصحابة ومن بعدهم، وهو قول أبي هريرة وعبد الله بن مسعود، وابن عباس ومسروق والشعبي، ولا ينافي هذا قول أبي هريرة وابن عباس في الرواية الأخرى: (( انه يلم بالكبيرة ثم لا يعود إليها ) )فإن (( اللمم ) )إما أنه
(1) مدارج السالكين 1/ 342، وراجع الجواب الكافي 186.
(2) سورة النساء، آية: 31.
(3) تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن 5/ 158) .
(4) فتح القدير 1/ 457، 458.
(5) سورة النجم، الآية: 32.
(6) سبق تخريجه ص 31.