يتناول هذا وهذا ويكون على وجهين، كما قال الكلبي، أو أن أباهريرة وابن عباس ألحقا من ارتكب الكبيرة مرة واحدة - ولم يصر عليها، بل حصلت منه فلته في عمره - باللمم، ورأيا أنها إنما تتغلظ وتكبر وتعظم في حق من تكررت منه مرارًا عديدة، وهذا من فقه الصحابة - رضى الله عنهم - وغور علومهم، ولا ريب أن الله يسامح عبده المرة والمرتين والثلاث، وإنما يخاف العنت على من اتخذ الذنوب عادته، وتكرر منه مرارًا عديدة [1] ، وذكر شيخ الإسلام ابن تيميه الآيات الدالة على انقسام الذنوب [2] ومنها قوله تعالى: (( والذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش وإذا ما غضبوا هم يغفرون) [3] وقوله عز وجل: (وقال مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها) [4] وقوله تعالى: (وكل صغير وكبير مستطر) [5]
3 -قوله صلى الله عليه وسلم (( الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان مكفرات ما بينهن إذا اجتنبت الكبائر ) ) [6] .
قال النووي: ( .. وتنقسم(أي المعاصي) باعتبار ذلك إلى ما تكفره الصلوات الخمس أو صوم رمضان أو الحج أو العمرة أو الوضوء أو صوم عرفة أو صوم عاشوراء أو فعل الحسنة أو غير ذلك مما جاءت به الأحاديث الصحيحة، وإلى مالا يكفره ذلك كما ثبت في الصحيح"ما لم يغش كبيرة"فسمى الشرع ما تكفره الصلاة ونحوها صغائر ومالا تكفره كبائر) [7] ومثله قوله - صلى الله عليه وسلم:- (( ما من امريء مسلم تحضره صلاة مكتوبة فيحسن وضوءها وخشوعها وركوعها إلا كانت كفارة لما قبلها من الذنوب ما لم يؤت كبيرة وذلك الدهر كله ) ) [8]
4 -ومن الأدلة على انقسام الذنوب إلى كبائر وصغائر الأحاديث الكثيرة في ذكر الكبائر من مثل حديث أنس رضي الله عنه قال: (( ذكر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الكبائر أو سئل عن الكبائر فقال: الشرك بالله وقتل النفس، وعقوق الوالدين .. الحديث ) ) [9] (فخص الكبائر ببعض الذنوب، ولو كانت الذنوب كلها كبائر لم يسغ ذلك) [10]
(1) مدارج السالكين 1/ 343 - 345 وانظر تفسير ابن كثير 4/ 255، 256.
(2) الفتاوى 11/ 659
(3) سورة الشورى آية: 37
(4) سورة الكهف، آية 49
(5) سورة القمر، آية 53
(6) رواه مسلم كتاب الطهارة"باب فضل الوضوء ..."من حديث أبي هريرة 3/ 117،118، وفي رواية"مالم تغش الكبائر"
(7) شرح النووي على مسلم 2/ 85
(8) رواه مسلم من حديث عثمان رضي الله عنه 3/ 112، كتاب الطهارة،"باب فضل الوضوء .."
(9) متفق عليه البخاري، كتاب الأدب"باب عقوق الوالدين من الكبائر"مسلم كتاب الإيمان،"باب الكبائر وأكبرها"،الفتح 10/ 405،مسلم بشرح النووي 2/ 282
(10) الزواجر عن اقتراف الكبائر 5