فهرس الكتاب

الصفحة 93 من 348

فالنصوص السابقة كما ترى صريحة في انقسام الذنوب إلى كبائر وصغائر ومع ذلك فقد نقل عن بعض الأشاعرة إنكارهم تقسيم الذنوب إلى صغائر وكبائر، وقالوا: إن سائر المعاصي كبائر، منهم أبو إسحاق الإسفرائيني، والباقلاني، وإمام الحرمين وابن القشيري والتقي السبكي، بل حكاه ابن فورك عن الأشاعرة واختاره في تفسيره [1] ، ونسبه ابن بطال إلى الأشعرية، وحكاه القاضي عياض عن المحققين [2]

ولقد لخص الإمام ابن بطال أدلتهم تلخيصًا جيدًا فقال:

(انقسام الذنوب إلى صغائر وكبائر هو قول عامة الفقهاء، وخالفهم من الأشعرية أبو بكر بن الطيب وأصحابه فقالوا: المعاصي كلها كبائر، وإنما يقال لبعضها صغيرة بالإضافة إلى ما هو أكبر منها، كما يقال القبلة المحرمة صغيرة بإضافتها إلى الزنا وكلها كبائر.

قالوا: ولا ذنب عندنا يغفر عندنا يغفر واجبًا باجتناب ذنب آخر بل كل ذلك كبيرة، ومرتكبه في المشيئة، غير الكفر لقوله تعالى: (( إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر مادون ذلك لمن يشاء ) ) [3] وأجابوا عن الآية التي احتج أهل القول الأول بها وهي قوله تعالى: (( إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه .. ) ) [4] ، أن المراد الشرك وقد قال الفراء: من قرأ"كبائر"فالمراد بها كبير، وكبير الإثم هو الشرك، وقد يأتي لفظ الجمع والمراد به الواحد كقوله تعالى: (( كذب-ت قوم نوح المرسلين ) ) [5] ولم يرسل إليهم غير نوح، قالوا: وجواز العقاب على الصغيرة لجوازه على الكبيرة) [6] واستدلوا أيضًا بقول ابن عباس: (( كل ما نهى الله عنه كبيرة ) ) [7] وأجاب الجمهور عن هذه الاستدلالات بما يلي:

1 -قال ابن العز الحنفي: (( ومن قال: إنها سميت كبائر بالنسبة لما دونها، أو كل ما نهى الله عنه فهو كبيرة يقتضي أن الذنوب في نفسها لا تنقسم إلى صغائر وكبائر، وهذا فاسد، لأنه خلاف النصوص الدالة على تقسيم الذنوب إلى صغائر وكبائر ) ) [8] فيكفي في بيان بطلان هذا القول مخالفته للنصوص الصريحة السابقة الذكر.

(1) انظر الزواجر عن اقتراف الكبائر ص 5

(2) انظر فتح الباري 10/ 409 ومسلم بشرح النووي 2/ 85

(3) سورة النساء، آية: 48

(4) سورة النساء، آية: 31

(5) سورة الشعراء، آية: 105

(6) نقلا عن فتح الباري 10/ 409، وانظر تفسير القرطبي 5/ 159

(7) أخرجه الطبري في تفسيره من طريقين 8/ 214 (شاكر) ، والبيهقي في الجامع لشعب الإيمان = 2/ 92،وقال الهيثمي: رواه الطبراني في الكبير ورجاله ثقات إلا أن الحسن مدلس وعنعنه (مجمع الزوائد 1/ 103) ونسبه السيوطي إلى عبد بن حميد وابن المنذر (الدر المنثور 2/ 499) ،قال الحافظ في الفتح: (أخرجه إسماعيل القاضي والطبري بسند صحيح على شرط الشيخين إلى ابن عباس) الفتح 10/ 410

(8) شرح الطحاوية 419 وانظر مجموع الفتاوى 11/ 657

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت