يتفق المعتزلة [2] والخوارج [3] على أن الإيمان الشرعي يشمل جميع الواجبات من الأقوال والأفعال والاعتقادات وسنختار بعض أقوال شيوخهم الدالة على ذلك، يقول أبو الحسن البسيوي: (الإيمان هو التصديق بالطاعة والعمل بها، فمن ترك شيئا من ذلك، أو ركب ما حرم الله عليه، أو ترك ما أوجب الله عليه، خرج من الإيمان، ولحق بضده، فافهم ذلك إن شاء الله، لأن ضد الإيمان هو الكفر ... ) [4] .
ويقول عبد الله بن حميد السالمي [5] - أحد علماء الأباضية: (اعلم أن للإيمان والإسلام في الشرع استعمالًا غير الاستعمال اللغوي، وذلك أن الشرع نقلها عن معناهما اللغوي فاستعملهما مترادفين في مطلق الواجب، كان ذلك الواجب تصديقًا باللسان فقط أو تصديقًا بالجنان مع قول اللسان، أو كان معهما عمل لازم إتيانه، فمن أدى جميع ما وجب عليه كان مؤمنًا مسلمًا عندنا، ومن أخل بشيء من الواجبات لا يسمى مؤمنًا مسلمًا عندنا، بل يخص باسم
(1) الوعيدية: ويقصد بهم من يغلبون جانب الخوف والوعيد على جانب الرجاء والوعد عند حكمهم على الكبيرة، وأبرز من يمثل مذهبهم الخوارج والمعتزلة، والزيدية والرافضة، وسأركز على نقل آراء المعتزلة والأباضية، لسببين: الأول: أن الزيدية والرافضة في عامة أبواب العقيدة - إلا في شئ من مسائل الإمامة - على مذهب المعتزلة (انظر العلم الشامخ 11/ 12) ، الثاني: أن فرق الخوارج الأخرى لا يوجد لها كتب خاصة بها، ولهذا قال ابن حزم وهو يتحدث عن زمنه: (ولم يبق اليوم من فرق الخوارج إلا الأباضية والصفرية فقط) الفصل 4/ 190.
(2) المعتزلة: سموا بذلك لاعتزال واصل بن عطاء حلقة الحسن البصري بسبب خلافه معه في الموقف من مرتكب الكبيرة،- وهم فرق عديدة، أوصلها بعض المصنفين في الفرق إلى عشرين، أشهر رجالهم واصل بن عطاء وعمرو بن عبيد وأبو الهذيل العلاف والجاحظ والجبائي والقاضي عبد الجبار وغيرهم، اشتهروا بالتنظير والجدل، وتقديم العقل على النقل، وعدم العناية بالسنة والحديث، واشتهروا بأصولهم الخمسة وهي التوحيد والعدل، والمنزلة بين المنزلتين والوعد والوعيد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، انظر شرح الأصول االخمسة للقاضي عبد الجبار، وانظر الفرق بين الفرق 114 - 201، واعتقادات فرق المسلمين والمشركين، 28 - 42، والتبصير في الدين 63 - 95، مقالات الإسلاميين 155 - 278، المعتزلة وأصولهم الخمسة، عواد المعتق، رؤية نقدية للنظرية الاعتزالية، د. عبد الستار السيد، دراسة فلسفية لآراء الفرق (المعتزلة) د. أحمد صبحي، المعتزلة بين القديم والحديث، محمد العبده وطارق عبد الحليم، مذاهب الإسلاميين د. عبد الرحمن بدوي 1/ 37 - 484 وغيرها كثير.
(3) الخوارج: ظهر الخوارج كجماعة بعد حادثة"التحكيم"حيث فارقوا الجماعة وانحازوا إلى حروراء، وأهم آرائهم تكفيرهم مرتكب الكبيرة والقول بتخليده في النار (على خلاف بينهم في ذلك كما سيأتي) ، وتكفيرهم أصحاب الجمل، والحكمين وكل من رضي التحكيم، والخروج على السلطان الجائر، ومن أشهر فرقهم الأزارقة والنجدات والصفرية والأباضية وعن هذه الفرق تفرعت سائر فرقهم وهذه الفرق لا يوجد منها إلا الأباضية وبعض الجماعات التي نهجت نهج الخوارج كالتكفير والهجرة، والأباضية ينكرون صلتهم بالخوارج، ويرون أن مصنفي الفرق لم ينصفوهم، والحقيقة أن الأباضية تخلوا عن غلو الخوارج الأوائل في كفر مرتكب الكبيرة في الدنيا، ولكنهم خلدوه في النار في الآخرة كما أنهم تبنوا كثيرًا من آراء المعتزلة (في الصفات، ونفي الرؤية، وخلق القرآن، والموقف من مرتكب الكبيرة، ومسألة الشفاعة .. ) فهم في الواقع أقرب إلى المعتزلة منهم إلى الخوارج، انظر مقالات الإسلاميين 86 - 131، التبصير في الدين 45 - 62، الملل والنحل 1/ 114 - 136، دراسة عن الفرق د. أحمد جلي 51 - 108، الخوارج في العصر الأموي د. نايف معروف آراء الخوارج، د. عمار الطالبي، الأباضية د. صابر طعيمة، الأباضية بين الفرق الإسلامية على يحيى معمر، وغيرها.
(4) جامع أبي الحسن البسيوي 1/ 235.
(5) عبد الله بن حميد السالمي الأباضي: ولد سنة 1286 في عمان، من أبرز مشايخه، صالح بن علي الحارث، رحل إليه سنة 1308 ه- ولازمه حتى وفاته، أخذ عنه التفسير والحديث وأصول الفقه وأصول الدين والنحو والمنطق حتى أصبح من أبرز علماء بلده، له جهود وآراء إجتهادية، تخرج على يديه مجموعة من علماء السلطنة، يقول إبراهيم اطفيش: (لا نبالغ أذا قلنا أن رجال العلم االيوم في عمان جلهم من تلامذته) ، له مصنفات كثيرة منها مشارق أنوار العقول، تحفة الأعيان بسيرة أهل عمان، انظر مقدمة مشارق أنوار العقول، 1/ 16 - 38.