فهرس الكتاب

الصفحة 261 من 348

الأولى: التنبيه إلى الفرق بين الشك والوسوسة، (فالوسوسة هي مما يهجم على القلب بغير اختيار الإنسان، فإذا كرهه العبد ونفاه كانت كراهته صريح الإيمان ) ) [1] (، أما الشاك فيما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، فهو تارك للإيمان الذي لا نجاة ولا سعادة إلا به.

الثانية: مر معنا في أول هذا المبحث أن معنى الريب: الشك هذا من حيث الإجمال، ويذكر شيخ الإسلام فرقًا دقيقًا بين الريب والشك، فيقول: (والريب يكون في علم القلب وفي عمل القلب، بخلاف الشك، فإنه لا يكون إلا في العلم، ولهذا لا يوصف باليقين إلا من اطمأن قلبه علمًا وعملًا ) ) [2] (، وبذلك يكون الشك أخص من الريب، ويكون الشاك كافرًا بسبب الإخلال بشرط العلم الذي هو أصل قول القلب، والله أعلم.

اشتهر هذا المعتقد عند غلاة الصوفية والباطنية (*) ، ويعبرون عنه بتعبيرات مختلفة مؤداها واحد. وسأعرض رأيهم باختصار، ثم الرد على ذلك، و بعد ذلك أبين حكم من اعتقد ذلك.

أ- رأيهم باختصار:

يقول داعيهم الباطني سنان بن راشد الدين: (إن الإنسان متى عرف الصورة الدينية فقد عرف حكم الكتاب، ورفع عنه الحساب، وسقط عنه التكليف، وسائر الأسباب ) ) [3] (.

ويقول الداعي الإسماعيلي طاهر بن إبراهيم الحارثي اليماني: (حجج الليل هم أهل الباطن المحض، المرفوع عنهم في أدوار الستر التكاليف لعلو درجاتهم ) ) [4] (، وينسبون إلى جعفر بن محمد الباقر قوله:(من عرف الباطن فقد سقط عنه عمل الظاهر) ... ورفعت عنه الأغلال والأصفاد وإقامة الظاهر )) [5] (، ويقول أحد الدعاة الباطنيين:(من عرف هذا الباطن فقد عمل الظاهر وإنما وضعت الأصفاد والأغلال على المقصرين، أما من بلغ وعرف هذه الدرجات التي قرأتها عليك فقد أعتقته من الرق ورفعت عنه الأغلال والأصفاد وإقامة الظاهر ) ) [6] (، هذا عن الباطنية، أما المتصوفة فقد قال عنهم الإمام الأشعري رحمه الله:(وفي النساك قوم يزعمون أن العبادة تبلغ بهم إلى درجة تزول فيها عنهم العبادات، وتكون الأشياء المحظورات على غيرهم من الزنا وغيره مباحات لهم ) ) [7] (.

وقالوا: (إذا وصلت إلى مقام اليقين سقطت عنك العبادة، مؤولين قول الله عز وجل:(واعبدوا ربك حتى يأتيك اليقين ) ) [8] [9] (وقال عنهم الإمام ابن حزم -? رحمه الله ?-(ادعت طائفة من الصوفية أن في أولياء الله تعالى من هو أفضل من جميع الأنبياء والرسل، وقالوا: من بلغ من الولاية سقطت عنه الشرائع كلها من الصلاة والصيام والزكاة، وغير ذلك، وحلت له المحرمات كلها من الزنا والخمر وغير ذلك، واستباحوا بهذا نساء غيرهم، وقالوا: بأننا نرى الله، ونكلمه، وكل ما قذف في قلوبنا فهو حق ... ) ) [10] (، وصور الإمام ابن الجوزي ?- رحمه الله ?-حال هؤلاء فقال: (إن قومًا منهم داموا على الرياضة مدة فرأوا أنهم قد تجوهروا فقالوا: لا نبالي الآن ما عملنا وإنما الأوامر

(1) الضياء الشارق 374.

(2) مجموع الفتاوى 14/ 108، وانظر الإيمان 268.

(*) هناك فرق في هذه المسألة بين معتقد الصوفية والباطنية، فالصوفية يقولون إن العبد يصل إلى درجة من الصفاء واليقين بسبب العبادة فيسقط عنه التكليف، أما الباطنية: فيؤولون التكاليف الشرعية بتأويلات باطنية تخالف مقصودها وأصلها، وتركيزنا هنا على الصوفية.

(3) كتاب شيخ الجبل الثالث المصطفى غالب ص 141، نقلًا عن أصول الإسماعيلية 2/ 831، رسالة دكتوراه، د. سليمان السلومي (مخطوط) .

(4) الأنوار اللطيفة 102.

(5) الهفت الشريف للمفضل الجعفي ص 42، تحقيق غالب الإسماعيلي.

(6) الهفت الشريف ص 65.

(7) مقالات الإسلاميين 289.

(8) سورة الحجر، آية:99.

(9) اتحاف السادة للزبيدي 8/ 278.

(10) الفصل 4/ 226.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت