والنواهي رسوم للعوام، ولو تجوهروا لسقطت عنهم، قالوا: وحاصل النبوة ترجع إلى الحكمة والمصلحة والمراد منها ضبط العوام، ولسنا من العوام، فندخل في حجر التكليف لأنا قد تجوهرنا وعرفنا الحكمة ... )) [1] (، وأطال شيخ الإسلام ?- رحمه الله ? في وصف حال هؤلاء فقال:(ومن هؤلاء من يستحل بعض الفواحش: كاستحلال مؤاخاة النساء الأجانب، والخلو بهن، زعمًا منه أنه يحصل لهن البركة بما يفعله معهن، وإن كان محرمًا في الشريعة، وكذلك يستحل ذلك مع المردان ويزعم أن التمتع بالنظر إليهم ومباشرتهم هو طريق لبعض السالكين حتى يترقى من محبة المخلوق إلى محبة الخالق، ويأمرون بمقدمات الفاحشة الكبرى، وقد يستحلون الفاحشة الكبرى ... ) ) [2] (وقال عنهم: (ومن هؤلاء من يحتج بقوله تعالى:(واعبد ربك حتى يأتيك اليقين ) ) [3] (، ويقول معناه: اعبد ربك حتى يحصل لك العلم والمعرفة، فإذا حصل ذلك سقطت العبادة، وربما قال بعضهم: اعمل حتى يحصل لك حال، فإذا حصل لك حال تصوفي سقطت عنك العبادة، وهؤلاء فيهم من إذا ظن حصول مطلوبه من المعرفة والحال استحل ترك الفرائض، وارتكاب المحارم ... ) ) [4] (، وربما احتج بعضهم (بقصة موسى والخضر فيحتجون بها على وجهين: أحدهما: أن يقولون: إن الخضر كان مشاهدًا للإرادة الربانية الشاملة، والمشيئة الإلهية العامة، وهي(الحقيقة الكونية) ، فلذلك، سقط عنه الملام فيما خالف فيه الأمر والنهي الشرعي، ... وأما الوجه الثاني: فإن من هؤلاء من يظن: أن من الأولياء من يسوغ له الخروج عن الشريعة النبوية، كما ساغ للخضر الخروج عن متابعة موسى، وأنه قد يكون للولي في المكاشفة والمخاطبة ما يستغني به عن متابعة الرسول في عموم أحوال أو في بعضها، وكثير منهم يفضل الولي في زعمه إما مطلقًا، وإما من بعض الوجوه على النبي، زاعمين أن قصة الخضر حجة لهم ... )) [5] (.
وكثيرًا ما يحكي الصوفية قصصًا وروايات عمن يسمونهم الأولياء، تتضمن هذه القصص سقوط الفرائض، أو بعضها عنهم، بل ويحكي عنهم فعل الفواحش والمنكرات واستحلالها، وفي طبقات الشعراني، وجامع كرامات الأولياء للنبهاني من ذلك الكثير، فمنه مثلًا: ما ذكره العطار عن ذي النون المصري أنه نصح أحد مريديه بترك الصلاة، فعلق العطار قائلًا: (لو سأل سائل ما الحكمة في الأمر بترك الصلاة؟ فالجواب إن الطريق أحيانًا تخالف ظاهر
(1) تلبيس إبليس 496.
(2) مجموع الفتاوى 11/ 405.
(3) (سورة الحجر، آية: 99.
(4) مجموع الفتاوى 11/ 417.
(5) نفسه 11/ 420 - 422.