فهرس الكتاب

الصفحة 141 من 348

حيث اعتبر السجود للشمس والصنم ليس كفرًا في نفسه، فيقال له: إذا لم تكن كفرًا في نفسها فلماذا نجري عليه أحكام الكفر ونحن لا نعلم كفره باطنًا؟

وصور الكشميري هذا الإشكال والإلزام ثم أشار إلى جوابهم عنه فقال: (هاهنا إشكال يرد على الفقهاء والمتكلمين، وهو أن بعض أفعال الكفر قد توجد من المصدق كالسجود للصنم والاستخفاف بالمصحف، فإن قلنا إنه كافر ناقض قولنا: إن الإيمان هو التصديق، ومعلوم أنه بهذه الأفعال لم ينسلخ عن التصديق، فكيف يحكم عليه بالكف-ر؟ و إن قلنا: إنه مسلم فذلك خلاف الإجماع، وأجاب الكستلي تبعًا للجرجاني، إنه كافر قضاء ومسلم ديانة) [1] ، وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - إلزام الإمام أحمد لهم بمثل ذلك، ثم ذكر عن جهم التزامه بهذا اللازم، فقال: (قال أحمد: فيلزمه أن يقول: إذا أقر، ثم شد الزنار في وسطه وصلى للصليب، وأتي الكنائس والبيع، وعمل الكبائر كلها إلا أنه في ذلك مقر بالله، فيلزمه أن يكون عنده مؤمنًا وهذه الأشياء من أشنع ما يلزمهم، قلت: هذا الذي ذكره الإمام أحمد من أحسن ما احتج الناس به عليهم، جمع في ذلك جملًا يقول غيره بعضها، وهذا الإلزام لا محيد لهم عنه، ولهذا لما عرف متكلموهم مثل جهم ومن وافقه أنه لازم التزموه وقالوا: لو فعل ما فعل من الأفعال الظاهرة لم يكن كافرًا في الباطن، لكن يكون دليلًا على الكفر في أحكام الدنيا) [2] . إلى أن يقول: (ومن كان موافقًا لقول جهم في الإيمان، بسبب انتصار أبي الحسن لقوله في الإيمان، يبقى تارة يقول بقول السلف والأئمة، وتارة يقول بقول المتكلمين الموافقين لجهم، حتى في مسألة سب الله ورسوله، رأيت طائفة من الحنبليين، والشافعيين، والمالكيين، إذا تكلموا بكلام الأئمة قالوا: إن هذا كفر باطنًا وظاهرًا، و إذا تكلموا بكلام أولئك قالوا: هذا كفر في الظاهر، وهو في الباطن يجوز أن يكون مؤمنًا تام الإيمان) [3] ، وهذا القول الذي نقلناه عنهم، قال به بعض غلاة المرجئة من قبلهم، فقد نقل الأشعري والشهرستاني والبغدادي ذلك عن بعض متقدميهم، قال الشهرستاني: (و إلى هذا المذهب ميل ابن الراوندي، وبشر المريسي، قالا: الإيمان هو التصديق بالقلب واللسان جميعًا، والكفر هو الجحود والإنكار، والسجود للشمس والقمر والصنم ليس بكفر في نفسه، ولكنه علامة الكفر) [4]

(1) فيض الباري شرح صحيح البخاري 1/ 50، وانظر نصوصًا أخرى في هذا المعنى المواقف 287، 388، الاقتصاد للغزالي 160، الإعلام بقواطع الإسلام 348.

(2) الإيمان، 384.

(3) الإيمان 386.

(4) الملل والنحل للشهرستاني 1/ 144، وانظر نفس النص - تقريبًا، في مقالات الإسلاميين 141، الفرق بين الفرق 205، وانظر آراء شبيهة بذلك عن بعض فرق المرجئة كالتومنية والصالحية، في نفس المراجع المذكورة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت