مناقشة المرجئة:
سيقتصر النقاش على تعريفهم الإيمان، وعلى الكفر عندهم، لأنهما الأصل عندهم فإذا بطل الأصل، بطلت فروعه، و لأن مسألة الزيادة والنقصان سبق ذكر أدلتها من الكتاب والسنة وكلام الصحابة - في الفصل الأول - مما نعتبره كافيًا في الرد عليهم، أما مسألة الوعد والوعيد فهم متفقون مع أهل السنة فيها.
أ- مناقشة تعريفهم للإيمان:
1 -قولهم: الإيمان في اللغة هو التصديق، وهو باق على معناه اللغوي لم ينقل عنه، فوجب أن يكون كذلك في الشرع والرد على ذلك من وجوه [1] ، منها: (ينبغي أن يعلم أن الألفاظ الموجودة في القرآن والحديث، إذا عرف تفسيرها وما أريد بها من جهة النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يحتج في ذلك إلى الاستدلال بأقوال أهل اللغة ولا غيرهم .. فاسم الصلاة والزكاة والصيام والحج ونحو ذلك، قد بين الرسول - صلى الله عليه وسلم- ما يراد بها في كلام الله ورسوله، وكذلك لفظ الخمر وغيرها، ومن هناك يعرف معناها، فلو أراد أحد أن يفسرها بغير ما بينه النبي - صلى الله عليه وسلم- لم يقبل منه، و أما الكلام في اشتقاقها ووجه دلالتها، فذاك من جنس علم البيان، وتعليل الأحكام، هو زيادة في العلم، وبيان حكمه ألفاظ القرآن، ولكن معرفة المراد بها لا يتوقف على هذا، واسم الإيمان و الإسلام والنفاق والكفر، هي أعظم من هذا كله، فالنبي - صلى الله عليه وسلم- قد بين المراد بهذه الألفاظ بيانًا لا يحتاج معه إلى الاستدلال على ذلك بالاشتقاق شواهد استعمال العرب ... ) [2]
2 -أيضًا - الإيمان في اللغة ليس مرادفًا للتصديق (وذلك من وجوه: أحدها: أن يقال للمخبر إذا صدقته، صدقه، ولا يقال: آمنه وآمن به، بل يقال آمن له، كما قال تعالى: {فآمن له لوط} [3] ، وقال {فما آمن لموسى إلا ذرية من قومه} [4] .
الثاني: أنه ليس مرادفًا للفظ التصديق في المعنى، فإن كل مخبر عن مشاهدة أو غيب يقال له في اللغة: صدقت، كما يقال: كذبت، فمن قال: السماء فوقنا، قيل له: صدق، كما يقال: كذب، و أما لفظ الإيمان فلا يستعمل إلا في الخبر عن غائب، لم يوجد في الكلام أن من أخبر عن مشاهده، كقوله طلعت الشمس، وغربت، أنه يقال: أمناه، كما يقال: صدقناه، ولهذا، المحدثون والشهود ونحوهم، يقال: صدقناهم، وما يقال آمنا لهم، فإن الإيمان
(1) هذه الردود ذكرها شيخ الإسلام - رحمه الله - في مواضع مختلفة في معرض الرد عليهم، وسننقل بعضها مع محاولة الاختصار، الإيمان الأوسط 71 - 76، الإيمان 117 - 124. 271 - 277، شرح الطحاوية 379 - 382، وغيرها، وراجع جمعًا وتلخيصًا لكلام شيخ الإسلام في ذلك، رسالة الشيخ عبد الرحمن المحمود"مواقف ابن تيمية من الأشاعرة"4/ 1427 - 1449.
(2) الإيمان 271، 272.
(3) سورة العنكبوت، آية: 26.
(4) سورة يونس، آية: 83.