فهرس الكتاب

الصفحة 143 من 348

مشتق من الأمن، فإنما يستعمل في خبر يؤتمن عليه المخبر، كالأمر الغائب الذي يؤتمن عليه المخبر، ولهذا لم يوجد قط في القرآن وغيره لفظ: آمن له إلا في هذا الشرع ..

الثالث: أن لفظ الإيمان في اللغة لم يقابل بالتكذيب، كلفظ التصديق، فإنه من المعلوم في اللغة أن كل مخبر يقال له: صدقت أو كذبت، ويقال: صدقناه، أو كذبناه، ولا يقال لكل مخبر: آمنا له أو كذبناه، ولا يقال: أنت مؤمن له، أو مكذب له، بل المعروف في مقابلة لفظ الكفر، ويقال: هو مؤمن أو كافر، والكفر لا يختص بالتكذيب، بل لو قال: أنا أعلم أنك صادق، لكن لا أتبعك، بل أعاديك وأبغضك، وأخالفك ولا أوافقك، لكان كفره أعظم، فلما كان الكفر المقابل للإيمان ليس هو التكذيب فقط، علم أن الإيمان ليس هو التصديق فقط ... ) [1]

3 -وعلى فرض أنه مرادف للتصديق، فلا حجة فيه لأسباب منها:

أ- أن الإيمان ليس هو التصديق بكل شيء، بل بشيء مخصوص وهو ما أخبر به الرسول - صلى الله عليه وسلم - وحينئذ فيكون الإيمان في كلام الشارع أخص من الإيمان في اللغة، ومعلوم أن الخاص ينضم إليه قيود ولا توجد في جميع العام ... ) [2] .

ب- أن التصديق لا يختص بالقلب (بل الأفعال تسمى تصديقًا، كما ثبت في الصحيح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال:"العينان تزنيان وزناهما النظر، والأذن تزني وزناها السمع، واليد تزني وزناها البطش، والرجل تزني وزناها المشي، والقلب يتمنى ذلك ويشتهي، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه" [3] ، [4]

ج- أما قولهم: إن الكفر ضد الإيمان والكفر هو الجحود والتكذيب .. فيجاب عنه، بأن الكفر لا يختص بالجحود كما بينا ضمن الجواب الأول، أما الآيات التي ذكرت أن محل الإيمان في القلب، فلا تنفي دخول الأعمال في الإيمان لورود أدلة أخرى تبين ذلك، وغاية ما في هذه الآيات أن الإيمان أصله في القلب وهذا لا خلاف حوله.

د- أما استدلالهم بالآيات التي فيها عطف الأعمال الصالحة على الإيمان، وقولهم: إن العطف يقتضي التغاير، فقد أجاب شيخ الإسلام عن ذلك فقال: (و أما قولهم: إن الله فرق بين الإيمان والعمل الصالح في مواضع، فهذا صحيح وقد بينا أن الإيمان إذا أطلق أدخل الله ورسوله فيه الأعمال المأمور بها، وقد يقرن به الأعمال ... وذلك لأن أصل الإيمان هو ما في القلب، و الأعمال الظاهرة لازمة لذلك، لا يتصور وجود إيمان القلب الواجب مع عدم جميع الأعمال، بل متى نقصت الأعمال الظاهرة، كان لنقص الإيمان الذي في القلب، فصار الإيمان متناولًا

(1) الإيمان 275 - 277.

(2) الإيمان 121.

(3) مضى تخريجه ص 31.

(4) الإيمان 278.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت