للملزوم واللازم، و إن كان أصله ما في القلب، وحيث عطفت عليه الأعمال، فإنه أريد أنه لا يكتفي بإيمان القلب، بل لابد معه من الأعمال الصالحة، ثم للناس في مثل هذا قولان، منهم من يقول: المعطوف دخل في المعطوف عليه أولًا، ثم ذكر باسمه الخاص تخصصًا له، لئلا يظن أنه لم يدخل في الأول، وقالوا: هذا في كل ما عطف فيه خاص على عام، كقوله: {من كان عدوًا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال} [1] وقوله: {وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح و إبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم} [2] وقوله: {والذين آمنوا وعملوا الصالحات وآمنوا بما نزل على محمد وهو الحق من ربهم} [3] فخص الإيمان بما نزل على محمد بعد قوله: {والذين آمنوا} وهذه نزلت في الصحابة وغيرهم من المؤمنين، وقوله: {حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى} [4] ، وقوله: {وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة} [5] ، والصلاة والزكاة من العبادة، فقوله: {آمنوا وعملوا الصالحات} كقوله: {وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة} ، فإنه قصد أولًا أن تكون العبادة لله وحده لا لغيره، ثم أمر بالصلاة والزكاة ليعلم أنهما عبادتان واجبتان، فلا يكتفي بمطلق العبادة الخالصة دونهما، وكذلك يذكر الإيمان أولًا، لأنه الأصل الذي لابد منه، ثم يذكر العمل الصالح، فإنه أيضًا من تمام الدين الذي لابد منه، فلا يظن الظان اكتفاءه بمجرد إيمان ليس معه العمل الصالح .. فعلى قول هؤلاء يقال: الأعمال الصالحة المعطوفة على الإيمان دخلت في الإيمان، وعطفت عليه عطف الخاص على العام، إما لذكره خصوصًا بعد عموم، وإما لكونه إذا عطف كان دليلًا على أنه لم يدخل في العام.
وقيل (القول الثاني) : بل الأعمال في الأصل ليست من الإيمان، فإن أصل الإيمان هو ما في القلب، ولكن هي لازمة له، فمن لم يفعلها كان إيمانه منتفيًا لأن انتفاء اللازم يقتضي انتفاء الملزوم، لكن صارت بعرف الشارع داخلة في اسم الإيمان إذا أطلق ... ) [6] وقد ذكرنا في الفصل الأول أدلة دخول الأعمال في مسمى الإيمان.
ه-- وأما قولهم: إن الله خاطب المؤمنين باسم الإيمان، قبل وجوب الأعمال، فدل ذلك على عدم دخولهما فيه، فيقال لهم: (إنهم خوطبوا به قبل أن تجب تلك الأعمال، فقبل وجوبها لم تكن من الإيمان، وكانوا مؤمنين
(1) سورة البقرة، آية: 98.
(2) سورة الأحزاب، آية: 7.
(3) سورة محمد، آية: 2.
(4) سورة البقرة، آية: 238.
(5) سورة البينة، آية: 5.
(6) الإيمان 186 - 190 وانظر 163 - 168، وشرح الطحاوية 387 - 389.