بكتاب أو سنة إذا كان بعض الأمة لم يبلغهم أدلة التحريم فاستحلوها، أو عارض تلك الأدلة عندهم أدلة أخرى رأوا رجحانها عليها، مجتهدين في ذلك الترجيح بحسب عقلهم وعملهم، فإن التحريم له أحكام من التأثيم والذم والعقوبة والفسق وغير ذلك، لكن شروط وموانع )) [1] (.
إذًا هؤلاء وأمثالهم ممن استحل بعض المحرمات الظاهرة المتواترة كشرب الخمر والربا والقتل لا يلحقهم الوعيد الوارد من اللعنة أو التكفير أو غيره، بسبب تأولهم وتمسكهم ببعض الشبهات حتى تقام عليهم الحجة وتزول عنهم الشبهة.
وقد سبق نقل بعض النقولات عن الأئمة، عند بحث (العذر بالجهل) وبينا عدم التفريق بين العقائد والأحكام في ذلك، وفي الفقرة السابقة إشارة من ابن تيمية وابن القيم حول بعض المسائل العقدية التي يعذر المتأول فيها، إن لم تقم عليه الحجة، فلتراجع وسيأتي مزيد من إيضاح لذلك، في بيان الموقف من المتأولين، في الفقرة التالية.
أما التأويلات التي لا يعذر أصحابها، فتأويلات الباطنية والفلاسفة ونحوهم ممن حقيقة أمرهم تكذيب للدين جملة وتفصيلا، أو تكذيب لأصل لا يقوم الدين إلا به كإنكار الفلاسفة لحشر الأجساد وقولهم إن الله سبحانه لا يعلم الجزئيات، أو تأويل الفرائض والأحكام بما يخرجها عن حقيقتها وظاهرها، أو الاعتقاد بألوهية بعض البشر كتأليه علي أو الحاكم بأمره كما عند النصيرية والدروز، أو القول بتحريف القرآن، أو تأويل جميع الأسماء والصفات أو القول بسقوط التكالي-ف عن البعض ونحو ذلك من الاعتقادات الغالية التي لا تعتمد على أي مستند نصي أو لغوي ولو من وجه محتمل.
يقول ابن الوزير - رحمه الله: ( ... وكذلك لا خلاف في كفر من جحد ذلك المعلوم ضرورة للجميع، وتستر باسم التأويل فيما لا يمكن تأويله كالملاحدة في تأويل جميع الأسماء الحسنى بل جميع القرآن والشرائع والمعاد الأخروي من البعث والقيامة والجنة والنار، وإنما يقع الإشكال في تكفير من قام بأركان الإسلام الخمسة المنصوص على إسلام من قام بها إذا خالف المعلوم ضرورة للبعض أو للأكثر لا المعلوم له، وتأول وعلمنا من قرائن أحواله أنه ما قصد التكذيب أو التبس ذلك علينا في حقه وأظهر التدين والتصديق بجميع الأنبياء والكتب الربانية مع الخطأ الفاحش في الاعتقاد، ومضاده الأدلة الجلية، ولكن لم يبلغ مرتبة الزنادقة المقدمة ... ) ) [2] (.
(1) مجموع الفتاوى 20/ 263 - 268.
(2) إيثار الحق 415.