فهرس الكتاب

الصفحة 119 من 348

عليه أن يقال: إن الخلف في حق الله تعالى كذب لما تقدم، والكذب قبيح والله تعالى لا يفعل القبيح لعلمه بقبحه، ولغناه عنه، وإلى هنا أشار تعالى بقوله: {ما يبدل القول لدي وما أنا بظلام للعبيد} [1] ، وبعد فلو جاز الخلف في الوعيد لجاز في الوعد، لأن الطريق في الموضعين واحد، فإن قال: فرق بينهما، لأن الخلف في الوعيد كرم وليس كذلك في الوعد، قلنا: ليس كذلك، لأن الكرم من المحسنات، والكذب قبيح بكل وجه، فكيف تجعله كرمًا، أو يقال إن الله تعالى وعد وتوعد، ولا يجوز عليه الخلف والكذب، ولكن يجوز أن يكون في عمومات الوعيد شرطًا واستثناء لم يبينه الله تعالى، والكلام عليه أن يقال: إن الحكيم لا يجوز أن يخاطبنا بخطاب لا يريد به ظاهره، ثم لا يبين مراده به لأن ذلك يجري مجرى الألغاز والتعمية، وذلك لا يجوز على الله تعالى، وبعد، فلو جاز في عمومات الوعيد لجاز في عمومات الوعد، بل في جميع الخطاب من الأوامر والنواهي، والمعلوم خلافه ... ) [2] أيضًا من مذهبهم في الوعيد، أن من دخل النار لا يخرج منها، يقول يحيى بن الحسين [3] : (ثم يجب أن يعلم أن وعده ووعيده حق، من أطاعه أدخله الجنة، ومن عصاه أدخله النار أبد الآبدين، لا ما يقول الجاهلون من خروج المعذبين من العذاب المهين إلى دار المتقين ومحل المؤمنين، وفي ذلك ما يقول رب العالمين: {خالدين فيها أبدًا} [4] ، ويقول: {وما هم بخارجين من النار} [5] ، ففي كل ذلك يخبر أنه من دخل النار فهو مقيم فيها غير خارج منها .. ) [6] ، ولذلك أنكروا شفاعته - صلى الله عليه وسلم - لمن دخل النار من أهل الكبائر، يقول القاضي عبد الجبار في ذلك: (فصل في الشفاعة، ووجه اتصاله بباب الوعيد، هو أن هذا أحد شبه المرجئة الذين يوردون علينا طعنًا في القول بدوام عقاب الفساق، وجملة القول في ذلك، هو أنه لا خلاف بين الأمة في أن شفاعة النبي - صلى الله عليه وسلم - ثابتة للأمة، وإنما الخلاف في أنها ثبتت لمن؟ فعندنا أن الشفاعة للتائبين من المؤمنين، وعند المرجئة أنها للفساق من أهل الصلاة .. ) [7] .

من كل ما سبق نستخلص، أن مذهب المعتزلة في الوعد والوعيد أن الله وعد المطيعين أن يثيبهم الجنة، أوعد العصاة النار، و أنه يفعل ذلك لا محالة، فلا خلف لوعده ولا وعيده، و أن من دخل النار فهو خالد مخلد فيها، فلا يخرج منها أحد ممن دخل فيها، وينكرون الشفاعة في أهل الكبائر وسنذكر أهم أدلتهم، بعد ذكر رأي الخوارج للتشابه بين أدلة الرأيين.

(1) سورة ق، آية: 29.

(2) شرح الأصول الخمسة 135، 136، وانظر شرح هذا الأصل مفصلًا (611 - 693) .

(3) (*) يحيى بن الحسين: ابن القاسم الرسي، يلقب بالهادي إلى الحق، من أئمة الزيدية، المتأثرين بالمعتزلة أقام للزيدية دولة في اليمن، له مصنفات كثيرة، توفي سنة 298 ه-، انظر الأعلام 8/ 141.

(4) سورة النساء 57، 122، سورة المائدة 119، والتوبة: 22،100 .. الخ.

(5) سورة المائدة: 37.

(6) رسائل العدل والتوحيد 2/ 67، وانظر 1/ 155.

(7) شرح الأصول 687، 688.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت