قال العلامة ابن الوزير - رحمه الله:(إن المتواتر نوعان:
أحدهما: ما علمه العامة مع الخاصة، كمثل كلمة التوحيد، وأركان الإسلام، فيكفر جاحده مطلقًا لأنه قد بلغه التنزيل.
وثانيهما: ما لا يعرف تواتره إلا الخاصة فلا يكفر مستحله من العامة، لأنه لم يبلغه، وإنما يكفر من استحله وهو يعلم حرمته بالضرورة مثل: تحريم الصلاة على الحائض إلى أمثال لذلك كثيرة )) [1] (.
فالإمام يبين أن التواتر لا يكفي ولابد معه من أن يعلمه الخاصة والعامة (الظهور والانتشار) ، ومثل ذلك قول الإمام النووي - رحمه الله: (أطلق الإمام الرافعي القول بتكفير جاحد المجمع عليه، وليس هو على إطلاقه، بل من جحد مجمعًا عليه فيه نص، وهو من أمور الإسلام الظاهرة التي يشترك في معرفتها الخواص والعوام كالصلاة والزكاة أو الحج أو تحريم الخمر أو الزنا ونحو ذلك فهو كافر، ومن جحد مجمعًا عليه لا يعرفه إلا الخواص كاستحقاق بنت الابن السدس مع بنت الصلب، وتحريم نكاح المعتدة ... فليس بكافر ) ) [2] (.
لكن ليس كل أمر مجمع عليه يكون متواترًا، لذلك الأولى أن يقال من جحد أمرًا متواترًا ... الخ. أو من جحد أمرًا مجمعًا عليه ومتواترًا، قال الإمام ابن دقيق العيد - رحمه الله - في إيضاح ذلك: (المسائل الإجماعية تارة يصحبها التواتر بالنقل عن صاحب الشرع كوجوب الصلاة مثلًا وتارة لا يصحبها التواتر فالقسم الأول يكفر جاحده لمخالفته المتواترة لا لمخالفته الإجماع، والقسم الثاني لا يكفر به ) ) [3] (.
إذًا خلاصة ما سبق: أن من أنكر أو جحد أو كذب خبرًا من الأخبار الظاهرة المتواترة (كالإيمان بعذاب القبر أو بوجود الجن أو برؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة ونحو ذلك) ، أو أنكر حكمًا من الأحكام الظاهرة المتواترة سواء كان هذا الحكم واجبًا أو محرمًا أو مستحبًا (كفرضية الصلاة والزكاة وبقية الأركان، ووجوب بر الوالدين وصلة الأرحام ... وما يشبه ذلك) (أو تحريم الخمر والسرقة والربا ... الخ) . (أو أنكر سنية الوتر أو الأضحية أو السنن الرواتب .. الخ) فإنه يكفر، إذا قامت عليه الحجة ومثله من استحل محرمًا من المحرمات الظاهرة المتواترة سواء كان هذا المحرم من الكبائر، أو من الصغائر كاستحلال الغيبة، والنظر إلى النساء ونحو ذلك والله أعلم.
(1) العواصم والقواصم 4/ 174.
(2) روضة الطالبين 2/ 146، وانظر 10/ 65، ومسلم بشرح النووي 1/ 173، ونهاية المحتاج شرح المنهاج 7/ 411.
(3) أحكام الأحكام 2/ 232.