يمكن أن يكون مجتهدًا مخطئًا مغفورًا له، ويمكن أن يكون ممن لم يبلغه ما وراء ذلك من النصوص، ويمكن أن يكون له إيمان عظيم وحسنات أوجبت له رحمة الله) [1] .
ومن الأحادي--ث المحذرة من تكفير المسلم قوله - صلى الله عليه وسلم:"إذا قال الرجل لأخيه يا كافر فقد باء به أحدهم-ا" [2] قال الحافظ في الفتح ( ... والتحقيق أن الحديث سيق لزجر المسلم من أن يقول ذلك لأخيه المسلم ... وقيل معناه رجعت عليه نقيصته لأخيه ومعصية تكفيره ... فمعنى الحديث فقد رجع عليه تكفيره، فالراجع التكفير لا الكفر، فكأنه كفر نفسه لكونه كفر من هو مثله) [3] وقال القرطبي رحمه الله: (والحاصل أن المقول له إن كان كافرًا كفرًا شرعيًا فقد صدق القائل وذهب بها المقول له، و إن لم يكن رجعت للقائل معرة ذلك القول وإثمه) [4] .
وهذا الوعيد والزجر أن لم يكن مع الكفر بينه كما ذكر القرطبي، ولم يكن متأولًا ومن فقه البخاري أن وضع هذا الحديث تحت باب (من أكفر أخاه بغير تأويل فهو كما قال) ثم ذكر بعده بابًا آخر بعنوان (باب من لم ير إكفار من قال ذلك متأولًا أو جاهلًا ... ) ثم ذكر بعض الأحاديث [5] الدالة على المقصود.
ومن الأدلة التى يمكن الاستدلال بها للتحذير من التكفير موقف السلف من أحاديث الوعيد لمن ارتكب الكبائر وعدم إنفاذها على الأعيان من مثل قوله - صلى الله عليه وسلم-:"لعن الله آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه" [6] ولعنه شارب الخمر، والواصلة والمستوصلة [7] والراشي والمرتشي"وقوله تعالى: {إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلمًا إنما يأكلون في بطونهم نارًا وسيصلون سعيرًا} [8] إلى غير ذلك من الأدلة [9] ، فهذه الأدلة القول بموجبها واجب على العموم والإطلاق من غير أن يعين شخصًا من الأشخاص فيقال: ملعون أو مستحق للنار لإمكان التوبة، أو الحسنات الماحية أو المصائب المكفرة وغيرها من مكفرات الذنوب بل عد شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله القول بلحوق الوعيد لكل فرد من الأفراد بعينه، أقبح من قول الخوارج المكفرين بالذنوب والمعتزلة وغيرهم [10] ، والتكفير هو من"
(1) شرح العقيدة الطحاوية 357، 358.
(2) رواه البخاري كتاب الأدب"باب من أكفر أخاه بغير تأويل فهو كما قال" (الفتح 10/ 514، ومسلم كتاب الإيمان"باب بيان حال من قال لأخيه المسلم كافر"(شرح النووي 3/ 49) .
(3) فتح الباري 10/ 466.
(4) فتح الباري 10/ 466.
(5) فتح الباري 10/ 515.
(6) رواه مسلم (كتاب المساقاة) باب لعن آكل الربا وموكله 3/ 1218، 1219.
(7) الواصلة: التي تصل شعرها بشعر آخر زور والمستوصلة التي تأمر من يفعل بها ذلك، النهاية 5/ 192.
(8) سورة النساء، آية: 10.
(9) انظر مزيدًا من الأدلة في الفتاوي 20/ 287، 288.
(10) انظر الفتاوى 20/ 387،388.