في حكمهم مثل أن ينشأ في بيئة ينتشر فيها الشرك ويقل فيها الدعاة إلى التوحيد، يعذر بجهل الأحكام الظاهرة المتواترة من الواجبات والمحرمات، وكذلك في أصول العقائد ولا فرق، أما من أنكر شيئًا مما ذكر في دار إسلام وعلم فإنه يكفر بمجرد ذلك، ولا يكفر بإنكاره مسائل خفية، أو شيئًا من الأمور المتواترة التي لا تعرف إلا عند الخاصة).
أما من يذهب إلى أن أصول العقائد، أو مسائل أصول الدين المجمع عليها من الأحكام والعقائد، أو مسألة الوقوع في الشرك خاصة، لا يعذر فيها فليس معه أدلة من الكتاب أو السنة إلا أن يكون دليلًا عامًا غير صريح الدلالة، أو دليلًا ضعيفًا من جهة سنده، أما ما نسبوه إلى بعض العلماء من القول بذلك فيجاب عنه بجوابين: أحدهما: أن الحجة تكون بالكتاب والسنة والإجماع، أما أقوال العلماء، فيحتج لها بالأدلة الشرعية، لا يحتج بها على الأدلة الشرعية.
الثاني: أن هذه الأقوال المنسوبة إلى العلماء، إما آراء شاذة، أو أقوال محتملة، أو نسبة غير دقيقة، مثل ما نسبوه إلى شيخ الإسلام وإلى الإمام محمد بن عبد الوهاب رجمهم الله كما بينا سابقًا. [1]
(1) (*) تنبيهات لابد منها:
وبعد أخي القارئ، لعل من المناسب بعد نهاية هذا المبحث الهام ذكر بعض التنبيهات والضوابط لعلها تساعد في فهم وإدراك مذهب السلف في هذه المسألة وأسباب اللبس فيها، ولعلها-أيضًا- تساهم في تقريب وجهات النظر، ووضع المسألة في مكانها الطبيعي، ومن أهم هذه التنبيهات: (1)
(1) ينبغي أن نعلم أن هذه المسألة ليست من المسائل التي يبدع فيها المخالف، بل من موارد الاجتهاد نظرًا لتداخل بعض جزئياتها، فالمخالف مجتهد مخطئ في اجتهاده، ودافع الفريقين غالبًا الغيرة على التوحيد، وعدم تمييع مسائل العقيدة، أما تضخيم القضية، وتضليل المخالف، وإلزامه بلوازم لم يقل بها، فهو خلل وانحراف، أما إذا التزم أحد الفريقين بأي من اللوازم الباطلة فهو مبتدع، وإليك الإشارة إلى أهم هذه اللوازم.
(1) يمكن مراجعة بعض التنبيهات السابقة 1/ 234 - 243.
(2) من اللوازم التي قد يقع فيها بعض من يقول بعدم العذر بالجهل في مسائل العقائد:
أ - مخالفة منهج السلف في الاحتياط في تكفير المعين أو التأثر بمذهب الخوارج، في هذا الباب.
ب- اللبس في مسألة التحسين والتقبيح العقليين أو القول: بأن الحجة تقوم بدون إرسال الرسل.
ج- التوقف في الحكم بإسلام بعض المعينين ممن لم تقع عليهم الحجة وهذه ينبغي عدم إلزام كل من يقول ذلك بها.
(3) ومن اللوازم التي يقع فيها بعض من يرى العذر في مسائل العقيدة، وخاصة من لا يدرك هذا المذهب.
أ-عدم تكفير من يحكمون القوانين (التكفير بالعموم) .
ب-الميل إلى مذهب الإرجاء، ومن ذلك حصر الكفر بالجحود فقط.
لكن هذه اللوازم ليست لازمة لكل القائلين بذلك، بل أكثر من يقول ذلك يكفر من يحكمون القوانين، ولا يحصر الكفر بالجحود بل يكفر المعرض والممتنع .. إلخ، ويشترطون جنس العمل للإيمان، وكذلك النطق بالشهادتين .. إلخ، وكذلك لا يعذرون كل جاهل في مسائل الأصول، بل من كان مقيمًا في دار الإسلام لا يعذر له، فلا يلزم من القول تمييع العقيدة والتوحيد.
(4) أؤكد ما بينته في ثنايا البحث من أن الجاهل المفرط لا يعذر بوجوده في دار الإسلام (مظنة العلم) ، وقدرته على التعلم والفهم، وإنما العذر لمن لا يقدر على التعلم أو الفهم، أو لم تصله الحجة الصحيحة - أي أن الجهل عذر مؤقت، ومقيد بعمد توفر بعض الشروط، فإذا وجدت هذه الشروط أو أمكن وجودها تقديرًا، فإن الجهل لا يبقى عذرًا.
(5) أكرر ما ذكرته سابقًا من أن وجود السلطة الشرعية لتقيم الحجة وليستتب من يقع في الشرك جهلًا، هو الذي يحسم النزاع من الناحية العملية، لأن الأنظار تختلف حول قيام الحجة على فلان أو الطائفة الفلانية، أو أهل البلد الفلاني، فالمسألة نسبية كما نقلنا عن الأئمة.
(6) لعل من المفيد التذكير بالفرق بين التكفير بالعموم والتكفير المعين، فذم الشرك، ومن يقع فيه والتحذير من صوره، وتكفير فاعله والجهاد من أجل ذلك شئ، وتكفير كل من يرتكب شيئًا منه وعدم عذره بأي حال أمر آخر.
(7) ينبغي عدم فصل مسألة العذر بالجهل عن مسألة العذر بالتأويل أو الخطأ في الاجتهاد، فحين البحث في المسألة من المفيد تأمل السلف من بعض الفرق المؤلة (كالجهمية، والمعتزلة والرافضة، والخوارج .. ) ، وهل كفروا جميعًا، وهل كفروا أعيانهم بشكل مطلق برغم انحرافاتهم العقدية الجلية والكثيرة؟، إذًا تكفير المتأولين بأعيانهم مطلقًا بصرف النظر عن قيام الحجة على المعين، مخالف لمذهب السلف في الاحتياط في تكفير الأعيان، رغم أن هؤلاء منهم الكافر ومنهم المبتدع الضال ومنهم الجاهل أو المخطئ الذي لا يكفر.
(8) أيضًا، يمكن أن نسأل من لا يعذرون بالشرك مطلقًا، ما الحكم في بعض العلماء الذين التبست عليهم بعض صور الشرك فزينوا التوسل بالأولياء أو الاستغاثة بهم الخ .. من أمثال السبكي والسيوطي والهيثمي، هل نقول أنهم لا يعذرون بالجهل أو التأويل فيكفرون لأنهم لم يفهموا التوحيد؟ أم معذرون في الحكم الأخروي فقط؟!.
(9) لذلك يعجب المرء من حماسة البعض واصرارهم بدافع الغيرة على التوحيد، على عدم العذر في أصول العقيدة رغم أن هذا القول فيه تكفير لفئات كثيرة من الفرق المبتدعة وأتباعهم، ممن لم تقم الحجة على كثيره، ورغم الخلاف الواضح في المسألة، ألا يكون ذلك من باب التكفير بالظن؟
(10) العذر بالجهل لا يشمل من يقع في أمور فيها نقض مجمل لأصول الإسلام، مثل أن يسجد للصنم أو للشمس والقمر، أو ينكر نبوة محمد -صلى الله عليه وسلم - أو لا يؤمن باليوم الآخر، أو يزعم أن لله صاحبة أو ولد أو يعتقد ألوهية البشر كبعض الباطنية، أو يعتقد أن بعض الناس يسعهم الخروج عن الشريعة ونحو ذلك (1) ، فالعذر يكون لمن وقع في بعض الانحرافات العقدية، أو بعض آحاد الشرك وصوره ولم تقم عليه الحجة، فمحل العذر ما يتعلق بتفاصيل التوحيد لا بأصله والله أعلم، إذًا لابد من الأقرار المجمل بالإسلام والتوحيد والبراءة المجملة من الشرك وأهله.
(11) البحث الموضوعي يقتضي من الباحث جمع جميع الأدلة والأقوال في المسألة، وليس انتقاء أقوال تؤيد ما يذهب إليه، ولذلك أقول لبعض من يرجحون عدم العذر بشكل مطلق، وينسبون ذلك لبعض الأئمة كابن تيمية وابن عبد الوهاب، بدلًا من أن تردوا على بعض الباحثين المعاصرين، الأولى مناقشة وتوجيه أقوال هؤلاء الأئمة الصريحة في العذر في أصول العقيدة، رغم جهودهم المشهورة في نشر العقيدة والذب عنها، فما ذهب إليه من يقول بالعذر منقول عنهم وأكثر الاستدلالات هي استدلالاتهم، والقول بعموم العذر بضوابطه الشرعية هو مذهب السلف، ولم يعرف عنهم التفريق بين الأصول والفروع الذي جاء به المتأخرون.
وفي الختام أحيل إلى رسالة قيمة في هذا الباب بعنوان"الجهل بمسائل الاعتقاد وحكمه"للأخ عبد الرازق معاش، وهي عبارة عن رسالة ماجستير من جامعة الإمام باشراف فضيلة الشيخ العلامة عبد الرحمن بن ناصر البراك، وهي رسالة متميزة في بابها، وشاملة لمسألة العذر بالجهل وتفريعاتها. نسأل الله التوفيق والصواب.
(1) يمكن مراجعة مبحث التأويل ففيه الإشارة إلى بعض الأمور التي لا عذر فيها لمتأول، وهكذا الجهل.