فهرس الكتاب

الصفحة 264 من 348

1 -التكاليف الشرعية مشروطة بالعلم والقدرة، فمتى ما تحققت وجب العمل، ولذلك يسقط التكليف عمن لا يمكنه العلم كالطفل والمجنون، كما يسقط عمن يعجز، كسقوط الجهاد عن الأمي والأعرج والمريض، وكما لا تجب الطهارة بالماء، والصلاة قائمًا، والصوم على من يعجز عنه) [1] (?الخ، أما غير هؤلاء فلا يسقط عنهم شيء من التكاليف باتفاق المسلمين.

2 -أعظم الناس درجة ومنزلة ومعرفة لله عز وجل هم الأنبياء والمرسلون ومع ذلك لم يستغنوا عن الشريعة، بل كانوا أشد الناس عبادة وإقامة للشعائر، واجتنابًا للفواحش والمنكرات.

3 -معلوم إجماع العلماء على كفر من استحل محرمًا من المحرمات الظاهرة المتواترة، وكفر جاحد أو منكرًا واجبًا من الواجبات الظاهرة والمتواترة، فكيف بمن يستحل جميع المحرمات، وجحد جميع الواجبات؟

4 -من المعلوم بالاضطرار من دين الإسلام أنه لا يجوز لمن بلغته دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم، أن يتبع شريعة رسول غيره كموسى وعيسى ? عليهم السلام -، فإذا لم يجز الخروج من شريعته إلى شريعة رسول، فكيف بالخروج عن شريعته، وعن الرسل جميعًا؟) [2] (.

5 -حقيقة الولاية تنال بتقوى الله عز وجل والتزام الأوامر والنواهي (ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون الذين آمنوا وكانوا يتقون ) ) [3] (، وكلما ازداد المرء عبودية وعلمًا ازدادت واجباته وصار مطالبًا بأمور وزيادات لا يطالب بها من لم يصل إلى ذلك، لا أنه يخلع عن عنقه ربقة التكليف.

6 -أما استدلالهم بقوله تعالى: (واعبد ربك حتى يأتيك اليقين ) ) [4] (، فهي عليهم لا لهم، قال الحسن البصري: إن الله لم يجعل لعمل المؤمنين أجلًا دون الموت، وقرأ قوله:(واعبد ربك حتى يأتيك اليقين) وذلك أن اليقين هنا الموت وما بعده باتفاق علماء المسلمين، وذلك مثل قوله: (ما سلككم في سقر قالوا لم نك من المصلين) ? إلى قوله: (وكنا نخوض مع الخائضين وكنا نكذب بيوم الدين حتى أتانا اليقين ) ) [5] (، فهذا قالوه وهم في جهنم، وأخبروا أنهم كانوا على ما هم عليه من ترك الصلاة والزكاة والتكذيب بالآخرة، والخوض مع الخائضين حتى أتاهم اليقين، ومعلوم أنهم مع هذا الحال لم يكونوا مؤمنين بذلك في الدنيا، ولم يكونوا مع الذين قال الله فيهم:(وبالآخرة هم يوقنون ) ) [6] (، وإنما أراد بذلك أنه أتاهم ما يوعدون، وهو اليقين? ... ) ) [7] (. ويقول الإمام ابن كثير- رحمه الله: (ويستدل بها(أي هذه الآية) على تخطئة من ذهب من الملاحدة، إلى أن المراد باليقين المعرفة فمتى وصل أحدهم إلى المعرفة سقط عنه التكليف عندهم، وهذا كفر وضلال وجهل، فإن الأنبياء عليهم السلام كانوا هم وأصحابهم أعلم الناس بالله وأعرفهم بحقوقه وصفاته وما يستحق من التعظيم وكانوا مع هذا أعبد وأكثر الناس عبادة ومواظبة على فعل الخيرات إلى حين الوفاة، وإنما المراد باليقين ههنا الموت كما قدمنا )) [8] (.

7 -وأخيرًا نأتي إلى أشهر استدلالاتهم، وهو احتجاجهم بقصة الخضر مع موسى التي وردت في القرآن الكريم في سورة الكهف ووردت في صحيح البخاري وغيره، فقد جعلوا هذه القصة دليلًا على أن هناك ظاهرًا شرعيًا، وحقيقة صوفية تخالف الظاهر، وجعلوا إنكار علماء الشريعة على علماء الحقيقة أمرًا مستغربًا، وجعلوا الخضر مصدرًا للوحي والإلهام، ونسبوا طائفة كبيرة من علومهم التي ابتدعوها إلى الخضر، وليس منهم صغير أو كبير ممن دخل في طريقهم إلا وادعى لقيًا الخضر والأخذ عنه، كما زعموا أن الخضر حي إلى أبد الدهر، وأن علمه علم لدني موهوب له من الله بغير وحي الأنبياء، وأن هذه العلوم تنزل إلى جميع الأولياء في كل وقت قبل البعثة وبعدها) [9] ( ... الخ، هذه الخيالات والخزعبلات، كل هذه الأشياء لا تعنينا هنا، فهي تحتاج إلى دراسات موسعة، وقد ألف في شأن الخضر عدة كتب) [10] (، وإنما الذي يهمنا في هذا المبحث دعوى: أن بعض الأولياء يسوغ له الخروج عن الشريعة، لأن الخضر وهو من أعظم الأولياء خرج عن شريعة موسى.

يجيب على هذه الدعوى الإمام ابن تيمية- رحمه الله- في عدة مواضع من كتبه) [11] (، وسأذكر إجابته بعدما أذكر فقرات من رواية الإمام البخاري- رحمه الله- لقصة موسى مع الخضر: قال ابن عباس- رضي الله عنه-: حدثني أبي ابن كعب- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (موسى رسول الله عليه السلام قال ذكر الناس يومًا، حتى إذا فاضت العيون ورقت القلوب ولى، فأدركه رجل فقال: أي رسول الله، هل في الأرض أحدًا

(1) انظر مجموع الفتاوى 10/ 244.

(2) نفسه 11/ 422.

(3) سورة يونس، آية: 62، 63.

(4) سورة الحجر، آية: 99.

(5) سورة المدثر، الآيات: 42 - 47.

(6) سورة البقرة، آية: 4.

(7) مجموع الفتاوى 11/ 418، 419، وانظر 539، 540.

(8) تفسير ابن كثير 2/ 560.

(9) انظر الفكر الصوفي في ضوء الكتاب والسنة، د. عبد الرحمن عبد الخالق 125.

(10) رصد بعض الباحثين أكثر من عشرين كتابًا، ألفت عن الخضر، من أشهرها، الحذر في أمر الخضر لملا علي القاري، (والروض النضر في الكلام عن الخضر) لمرعي المقدسي، (والزهر النضر في نبأ الخضر) لابن حجر العسقلاني، (وعجالة المنتظر في شرح حال الخضر) لابن الجوزي. انظر مقدمة كتاب (الحذر في أمر الخضر) لملا القاري تحقيق محمد خير رمضان يوسف ص 45 - 49.

(11) انظر مجموع الفتاوى 2/ 234، 4/ 318، 3/ 422، 10/ 334، 344، 11/ 402 - 426، 539، 263، 607، 13/ 266.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت