مرّ النبيّ - صلى الله عليه وسلم - في طريق هجرته إلى المدينة بقديد بأمّ معبد الخزاعيّة، وهي عاتكة بنت خالد، وكانت برزة [1] جلدة [2] ، تحتبي بفناء القُبّة [3] ، ثمّ تسقي، وتطعم من يمرّ بها، وكان القومُ مُرملين [4] مُسنتين [5] ، فسألوها: هل عندها لبن أو لحم يشترونه؟ فلم يجدوا عندها شيئًا، وقالت: والله لو كان عندنا شيء ما أعوزكم القرى .. [6] . ثمِّ جرت للنبيّ - صلى الله عليه وسلم - معجزة عندها، إذ حلب لها من شاةٍ عجفاء مجهدة، وشرب هو ومن معه، وترك لها بقيّة، وعندما حضر زوجها أبو معبد، حدّثته بما رأت من العجب من هذا الرجل المبارك، فقال لها: صفيه لي يا أمّ معبد، فقالت:"رأيت رجلًا ظاهر الوضاءة [7] ، مبلج الوجه [8] ، حسن الخلق [9] ، لم تعبه ثجلة [10] ، ولم تُزرِ به صعلة [11] ، وسيم قسيم، في عينيه دعج [12] ، وفي أشفاره وطف [13] ، وفي"
(1) ـ كضخمة عفيفة مسنّة، فلم تتخدّر لسنّها، وخرجت من حدّ المحجوبات.
(2) ـ قويّة.
(3) ـ الفناء المكان الواسع أمام البيت أو القبّة وهي الخيمة.
(4) ـ نفدت أزوادهم.
(5) ـ أصابتهم سنة أي جدب.
(6) ـ القرى إكرام الضيف أي ما منعناه عنكم.
(7) ـ الحسن والبهجة.
(8) ـ مشرقه.
(9) ـ بفتح الخاء وسكون اللام أو بضمّهما، وقد عرفت ذلك من تواضعه وحسن معاملته لرفقته.
(10) ـ بفتح الثاء وسكون الجيم: عظم البطن.
(11) ـ صغر الرأس.
(12) ـ شدّة سواد العينين.
(13) ـ أشفاره: رموش عينيه، وطف: طول وغزارة.