فهرس الكتاب

الصفحة 512 من 596

عَنْ زُهْرَةَ بْنِ مَعْبَدٍ عَنْ جَدِّهِ - رضي الله عنه - قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -، وَهُوَ آخِذٌ بِيَدِ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ - رضي الله عنه -، فَقَالَ: وَاللهِ لأَنْتَ يَا رَسُولَ اللهِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِلاّ نَفْسِي، فَقَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم: لا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ عِنْدَهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ نَفْسِهِ، قَالَ عُمَرُ - رضي الله عنه: فَلأَنْتَ الآنَ وَاللهِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ نَفْسِي، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم: الآنَ يَا عُمَرُ) [1] .

وليس الجديد عند عمر - رضي الله عنه -، هو حصول تلك المحبّة الراجحة للنبيّ - صلى الله عليه وسلم -، وإنما الجديد هو إدراكه لتلك المحبّة والتفاته إليها، وتقرير ذلك أنه كان في أول الأمر قد امتحن نفسه أمام حبّ الولد والزوج والعشيرة، والمسكن والتجارة، فوجد حبّه لهذه الأشياء مرجوحًا بجانب حبّه لله ورسوله - صلى الله عليه وسلم -، ولم يكن قد جرى بعد في خاطره حديث المقارنة بين حبّه لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - وحبّه لنفسه، فلم يجرؤ أن يحكم فيه بشيء بل استثنى نفسه من تلك المقارنة، سكوتًا عن الحكم بما لم يختبر، لا حكمًا برجحان حبه لنفسه، فلما نبّهه النبيّ - صلى الله عليه وسلم -، فكّر وقارن وتحسّس حال قلبه، فإذا هو يجد من رجحان محبّته لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - على محبّته لنفسه، ما كان غافلًا عنه، لا ما كان خلوًا منه، فقوله - صلى الله عليه وسلم: (الآنَ يَا عُمَرُ) ومعناه: الآن أصبت في قولك، وأحسنت التعبير عما في نفسك.

قال الإمام القرطبيّ رحمه الله تعالى:"كل من آمن بالنبيّ - صلى الله عليه وسلم - إيمانًا صحيحًا، لا يخلو عن وجدان شيء من تلك المحبّة الراجحة، غير أنهم متفاوتون؛ فمنهم من أخذ من تلك المرتبة بالحظّ الأوفى، ومنهم من أخذ بالحظّ الأدنى، كمن كان مستغرقًا في الشهوات محجوبًا بالغفلات في أكثر الأوقات، لكن الكثير منهم إذا ذكر النبيّ - صلى الله عليه وسلم - اشتاق إلى رؤيته، بحيث يؤثرها"

(1) ـ رواه الإمام أحمد في مسند الشاميّين برقم 17355.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت