فانصرف رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأقبل عليّ فقال: والله إنّي لأعلم أنّ ما يقول حقّ، ولكن يمنعني شيء: أنّ بني قصيّ قالوا: فينا الحجابة، قلنا: نعم، ثمّ قالوا: فينا السقاية، قلنا: نعم، ثمّ قالوا: فينا الندوة، فقلنا: نعم، ثمّ قالوا: فينا اللواء، فقلنا: نعم، ثمّ أطعموا وأطعمنا، حتّى إذا تحاكّت الركب قالوا: منّا نبيّ.! والله لا أفعل .." [1] .. أي فكيف له بهذه.؟! فهو يرى أنّهم لو آمنوا بِه واتّبعوه فقد أصبحت لهم التبعيّة لعشيرته، وهذا ما لا يمكن لهم أن يسلّموا به، وتلك هي الجاهليّة العمياء الرعناء.!"
شَهَادَةُ الوليدِ بنِ المغيرةِ بالحقّ: يقول تعالى: ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا (11) وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا (12) وَبَنِينَ شُهُودًا (13) وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا (14) ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ (15) كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا (16) سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا (17) إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (18) فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (19) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (20) ثُمَّ نَظَرَ (21) ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ (22) ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ (23) فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ (24) إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ (25) سَأُصْلِيهِ سَقَرَ (26) المدثر.
نزلت هذه الآيات في الوليد بن المغيرة المخزوميّ، وكان يسمّى:"الوحيد في قومه": رُوي أنّه لمّا نزل قوله تعالى: حم (1) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (2) غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ (3) غافر.
سمع الوليد النبيّ - صلى الله عليه وسلم - يقرؤه، فقال: والله لقد سمعت منه كلامًا، ما هو من كلام الإنس، ولا من كلام الجنّ، وإنّ له لحلاوة، وإنّ عليه لطلاوة ـ
(1) ـ انظر:"الرسول - صلى الله عليه وسلم -"للشيخ سعيد حوّى ص 22، وأخرجه ابن أبي شيبة بنحوه.