إنّ الإنسان كائن عظيم حقًّا، بيد أنّ عظمته ترجع إلى نسبه السماويّ الروحيّ، لا إلى نسبه الأرضيّ المادّيّ ..
واليوم في شتّى بقاع الأرض لا حديث إلاّ عن رفع المستوى الاقتصاديّ، وضمان مقادير موفورة من الرغبات والشهوات للكبار والصغار، إنّهم يريدون للإنسان أن يكون كالحيوان المسعور، لا يزال يلهث ويلهث وراء الشهوات، ولا يشبع من نهمة الاستهلاك حتّى يهلك ..
7 ـ رفع مكارم الأخلاق من أن تكون فضيلة نفسيّة نافلة إلى أن تكون واجبًا إيمانيًّا، وسلوكًا اجتماعيًّا راشدًا، وتشريعًا ربّانيًّا ملزمًا؛ بينما نرى الحضارة الغربيّة حوّلت مكارم الأخلاق إلى أخلاق ماديّة نفعيّة، ثمّ إلى أخلاق شخصيّة خاصّة، يحكمها قانون النسبيّة، ومنطق الحرّيّة الجامحة، والأنانيّة المفرطة، ثمّ رمت بها إلى مخلّفات عفّى عليها الزمن، فضاعت الأخلاق، وشقي الإنسان، وتمزّقت روابط الناس في المجتمعات ..
هذه الكلمات تمثّل خلاصة دقيقة موجزة، لموقع الأخلاق في الإسلام، والمساحة الكبيرة التي تحتلّها، وطبيعة علاقتها الوثيقة بأصول الإسلام الكبرى وحقائقه، وموقعها في الحضارة الغربيّة، وموقف الفلسفة المادّيّة منها، ممّا يجعل الفرق بعيدًا، والبون شاسعًا بين النظرتين والموقفين ..
وإنّ إحياء مكارم الأخلاق ونشرها في العالمين هي السمة الكبرى التي اتّسمت بها الحضارة الإسلاميّة، بعد توحيد الله تعالى، وأركان العقيدة وأصولها، ولا عجب في ذلك بعدما علمنا أنّ النبيّ - صلى الله عليه وسلم - بعث ليتمّم مكارم الأخلاق، ورأينا ومضات من سيرته الشريفة العطرة تقدّم للإنسانيّة زخمًا كبيرًا من الأخلاق العظيمة، التي شهد الله له بها، وشملت مكارم الأخلاق كلّها ..