فهرس الكتاب

الصفحة 534 من 596

والشتات بين الجانبين في حياته، بل لقد تعلّم في مدرسة النبوّة: أن يجمع بينهما في تقارب واتّصال، وودّ وانسجام .. وتعلّم أيضًا أنّ إعمار الدنيا وفق منهج الله ودينه قصد مُهمّ من مقاصد الإسلام العليا في هذه الحياة .. وهو نوع من العبادة، والقربة إلى الله، يؤجر عليه كما يؤجر على عباداته الخاصّة، وربّما رجح هذا النوع على نوافل العبادات، عندما يتعيّن على الإنسان، فيكون فرضًا عينيًّا، أو من فروض الكفايات ..

"والنزاع القديم بين الناس في هذه الحياة أساسه: أتكون الغلبة والهيمنة للحيوان الرابض في دم الإنسان، يتحرّك بنزعات القسوة والأثرة وحدها، أم تكون الهيمنة للقلب الإنسانيّ، المتطلّع إلى الكمال والسلام، والحبّ والإيثار.؟! ذاك ما يجب أن يعرف بجلاء، وأن ترتفع به حناجر الدعاة المصلحين .. وليس في الإسلام تغليب للروح على الجسد، ولا للجسد على الروح، وإنّما فيه تنظيم دقيق يجعل المعنويّات الرفيعة، والقيم العليا هي التي تتولّى قياده، وتمسك بزمامه، فلا هو براهب يقتل نداء الحياة، ويكبت هواتف الفطرة، ولا هو مادّيّ يتجاهل أشواق الروح إلى الرفعة والخلود .." [1] .

ولقد علّم الإسلام الإنسان أن يوازن موازنة صحيحة بين مصالح الدنيا ومصالح الآخرة، دون إفراط أو تفريط، وقد جمع الله تعالى قانون ذلك في الآية التي ذكرناها آنفًا، إذ يقول الله سبحانه: {وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (77) } القصص.

(1) ـ"الجانب العاطفيّ من الإسلام"ص 94 بتصرّف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت