وقادتها، ووقع في ذلك من خوارق الحبّ والتفاني في طاعته، وإيثاره على النفس والأهل والمال والولد مالم يحدث قبله، ولن يحدث بعده مثله؛
فمن ذلك أن النبيّ - صلى الله عليه وسلم - أعطى الراية يوم خيبر عليّ بن أبي طالب - رضي الله عنه - وقال له: (امشِ، ولا تلتفِت، حتّى يفتحَ الله عليكَ) ، فسار عليّ - رضي الله عنه - شيئًا ثمّ وقف، ولم يلتفت، ونادى:"يارسول الله.! على ماذا أقاتل الناس.؟ فلم ينس - رضي الله عنه - قول النبيّ - صلى الله عليه وسلم: (امش ولا تلتفت .. ) واحتاج إلى سؤال النبيّ - صلى الله عليه وسلم - عن شأن مهمّ من شئون القتال فوقف وسأل، ولم يلتفت."
"ولمّا كان يوم أحد، أقبلت امرأة تسعى، حتى كادت أن تشرف على القتلى، فكره النبيّ - صلى الله عليه وسلم - أن تراهم، فقال: المرأة.! المرأة.!"
قال الزبير بن العوّام - رضي الله عنه: فتوسّمت أنها أمي ـ وهي صفيّة بنت عبد المطّلب رضي الله عنها، بلغها أن المشركين قتلوا أخاها حمزة - رضي الله عنه -، ومثّلوا به، فهي تريد أن تراه.
قال: فخرجت أسعى إليها، فأدركتها قبل أن تنتهي إلى القتلى، فلدمت في صدري ـ أي دفعته دفعًا شديدًا ـ وكانت امرأة جَلدة ـ أي شديدة ـ وقالت: إليك عني لا أرض لك.
فقلت لها: إنّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عزم عليك ألاّ تذهبي، فوقفت، ولم تتحرّك من مكانها.