وفي رواية: أنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - قرأ: حم فصلت حتّى انتهى إلى السجدة فسجد، وعتبة مصغ يستمع، وقد اعتمد على يديه وراء ظهره. فلمّا قطع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - القراءة، قال له: يا أبا الوليد! لقد سمعت الذي قرأت عليك، فأنت وذاك. فانصرف عتبة إلى قريش في ناديها، فقالوا: والله لقد جاءكم أبو الوليد، بغير الوجه الذي مضى من عندكم، ثم قالوا: ما وراءك يا أبا الوليد؟ قال: والله لقد سمعت كلامًا من مُحَمّد، ما سمعت مثله قطّ، والله ما هو بالشعر، ولا بالكهانة، فأطيعوني في هذه، وأنزلوها بي: خلّوا محمّدًا وشأنه واعتزلوه، فو الله ليكوننّ لما سمعت من كلامه نبأ، فإن أصابته العرب، كفيتموه بأيدي غيركم، وإن كان ملكًا أو نبيًّا، كنتم أسعد الناس به؛ لأنّ ملكه ملككم، وشرفه شرفكم. فقالوا: هيهات! سحرك مُحَمّد يا أبا الوليد! قال: هذا رأيي لكم، فاصنعوا ما شئتم.
فما كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - طالب ملك، ولا راغبًا في مال، ولا ناشدًا جاهًا، ولا سلطانًا، وإنّما هو نبيّ يوحى إليه من ربّه، ومبلّغ رسالة، ومنشئ أمّة، ومنقذ البشريّة من التردّي في هوّة سحيقة، وصانع تاريخ، ومؤصّل حضارة، إنّها لشهادة حقّة، لأنّها من عدوّ لا يؤمن بالقرآن، وإنما آمن بسلطان اللغة والبيان.
ومن شهادات بعض عظماء عصر النبيّ - صلى الله عليه وسلم: شهادة مَلِك عُمان وإسلامه، فقد بعث النبيّ - صلى الله عليه وسلم - عمرو بن العاص - رضي الله عنه - إلى الجُلَندَى مَلِك عُمان يدعوه إلى الإسلام، فعلم طرفًا من أخبار النبيّ - صلى الله عليه وسلم - وسيرته الشريفة ثمّ أسلم، وعندما سئل عن سبب إسلامه قال:"لقد دلّني على هذا النبيّ الأمّيّ: أنّه لا يأمر بخير إلاّ كان أوّل آخذ به، ولا ينهى عن شرّ إلاّ كان أوّل تارك له، وأنّه يغلب فلا يبطر، ويُغلَبُ فلا يُهجِر ـ أي: لا يقول القبيح من الكلام ـ وأنّه يفي بالعهد، ويُنجزُ الوَعدَ، وأشهد أنّه نبيّ".