ائته فحدّثه، فأتى النبيّ - صلى الله عليه وسلم - فقال له: يا محمّد! أنت خير أم قصيّ بن كلاب؟ أنت خير أم هاشم؟ أنت خير أم عبد المطلب؟ أنت خير أم عبد الله؟ فبم تشتم آلهتنا، وتضلّل آباءنا، وتسفّه أحلامنا، وتذمّ ديننا؟ فإن كنت إنما تريد الرياسة، عقدنا إليك ألويتنا، فكنت رئيسًا ما بقيت! وإن كنت تريد الباءة ـ يعني النكاح ـ زوّجناك عشر نساء من أيّ بنات قريش شئت، وإن كنت تريد المال، جمعنا لك ما تستغني به أنت وعقبك ـ أي أولادك ـ من بعدك. وإن كان هذا الذي يأتيك رئيًّا من الجنّ، قد غلب عليك، بذلنا لك أموالنا في طلب ما تتداوى به، أو نغلب فيك.
والنبي - صلى الله عليه وسلم - ساكت، فلما فرغ قال: (قد فرغت يا أبا الوليد؟) قال: نعم. قال: (فاسمع مني) قال: أفعل. فقال - صلى الله عليه وسلم: بسم الله الرحمن الرحيم حم (1) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (2) كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (3) حتّى بلغ قوله تعالى: فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ (13) فصلت. أي هلاكًا كهلاكهم، فوثب عتبة، ووضع يده على فم النبيّ - صلى الله عليه وسلم -، وناشده الله والرحم ليسكتنّ.
ورجع إلى أهله ولم يخرج إلى قريش، فجاء أبو جهل فقال: أصبوت إلى محمّد؟ أم أعجبك طعامه؟ فغضب عتبة، وأقسم ألاّ يكلّم محمّدًا أبدًا. ثمّ قال: والله لقد تعلمون أنّي من أكثر قريش مالًا، ولكني لمّا قصصت عليه القصة، أجابني بشيء، والله ما هو بشعر، ولا كهانة، ولا سحر، ثمّ تلا عليهم ما سمع منه إلى قوله: فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ (13) قال: فأمسكت بفيه، وناشدته بالرحم أن يكفّ، وقد علمتم أنّ محمّدًا إذا قال شيئًا لم يكذب، فوالله لقد خفت أن ينزل بكم العذاب!