الفصل الثاني
كمال عقله - صلى الله عليه وسلم - وحكمته، واتّزان شخصيّته وشجاعته، وعظيم هيبته
الحديث عن شخصيّة النبيّ - صلى الله عليه وسلم - صعب مهيب، عميق دقيق، إنّه حديث عن شخصيّة تلتقي فيها الأرض بالسماء، بل قُل وأنت تعي ما تقول: تمتزج فيها الأرض بالسماء، والعقل بالوحي، والفطرة الإنسانيّة المشرقة بالوحي الإلهيّ المنزّه المنزّل، فلا تدري العظمة من أيّ الطرفين تبزغ، وإلى أيّهما تنتمي.!؟ وهي إن انتمت إلى عظمة السماء وجدت الأرض موفورة الزرع والخير، والنماء والعطاء، وإن رأت الأرض زاهية الجمال بحلّة الجلال رأتها معجزة الخلق والتكوين، ممدودة بعطاء السماء .. إنّها في الحقّ معجزة الأمر الإلهيّ: {قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ .. (110) } الكهف، ومثلها كمثل البحرين يلتقيان، بينهما برزخ لا يبغيان، فبأيّ آلاء ربّكما تكذّبان.؟ إنّها النبوّة والاصطفاء .. التي تنفخ روح الهدى فكأنّها تنقلب بها طبائع الأشياء، وهل تستطيع وكأنّ الأرض تطاول رفعة السماء ..
وإنّما يختبر عقل الإنسان في المواقف الحرجة، وفي الأزمات الطارئة، وفي المصائب الكبيرة، التي تنزل بالإنسان، وتحتاج إلى قوّة النفس، وثبات القلب، وحسن التصرّف ..
ولقد كان رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - حصيفَ العقل، واسعَ الفكر، بعيدَ النظر، ذكيَّ الفؤاد، يُعالجُ ما يعترضُه من مشكلات بحكمة باهرة، ودقّة ماهرة،