وبديهة حاضرة، وفطنة لا حدّ لها، ممّا يجعل من يتعامل معه يذعن لحكمه، وينقاد بكلّ ارتياح لرأيه.
وعندما تطّرد قوّة عقل الإنسان في كلّ موقف، ولا يوصف أنّه يحسن إدارة الأزمات، والثبات في الشدائد والملمّات فحسب، بل يقف أمام التحدّيات الكبرى كالطود الأشمّ، ويصارع عقول أمّة وأعرافها وعاداتها فيصرعها، بل يحوّل اتّجاهها ومجرى حياتها ولا تكون أمام عقله شيئًا مذكورًا، فذاك دليل على أنّه ممدود بقوّة الله التي لا تغلب، وعزّة الله التي لا ترام .. وهذا ركن ركين، ومعنى أصيل من حقيقة النبوّة، التي لا تطالها أعناق البشر مهما اجتهدوا، ومهما أوتوا من مواهب وقدرات وّة ..
وإنّ كمال عقله - صلى الله عليه وسلم -، وأصالة تفكيره، وبعد نظره، كان يتجلّى في تصرّفاته ومواقفه قبل النبوّة وبعدها، وذلك كما في تحكيمه قبل النبوّة في وضع الحجر الأسود، ورضا المشركين بحكمه، وانطفاء الفتنة التي كادت تشبّ، فتأكل الأخضر واليابس، ومواقفه وأساليبه في الدعوة إلى الله تعالى، ومواقفه في إدارة الدولة الناشئة في المدينة، وسياسته الحكيمة البعيدة النظر في معاملة المنافقين، التي تجمع بين مقتضى الشريعة، وقوّة الحقّ، ومقتضى الدعوة والخلق الكريم، ومقتضى حفظ هيبة الدولة والقيادة عن عبث العابثين، كما تتجلّى في اختيار الرجل المناسب للمكان المناسب والمقام المناسب، وفي إعداده للجيوش، ومباغتة الأعداء قبل أن يبغتوه، وموقفه في القضاء على الفتنة، التي كادت تقع بين الأوس والخزرج، بتحريش من اليهود، وبين المهاجرين والأنصار أثناء غزوة بني المصطلق، ومواهبه الفذّة في عقد المعاهدات والصلح، وفي ترضية الأنصارِ بعد قسمة غنائم حنين، وفي معاملة الأصدقاء والأعداء،