ومن فصاحته - صلى الله عليه وسلم -، وكمَال عقله: تأثيرُ وعظه في القلوب، فقد كان تأثيرًا بليغًا عظيمًا، فكم كان سببًا في كسر غلواء العصبيّة، وتحطيم عادات الجاهليّة، وتهذيب الأخلاق العصيّة، وتأليف القلوب على الإيمان بالله ورسوله، والحبّ في الله تعالى، والجهاد في سبيله، والأمثلة على ذلك كثيرة، تطفح بها رياض السيرة النضرة، وتضوع منها أنسامها العطرة.
فمن ذلك: مَا جَاءَ في الحَدِيثِ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ وَسَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ: أَنَّ حَكِيمَ بْنَ حِزَامٍ - رضي الله عنه - قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فَأَعْطَانِي، ثُمَّ سَأَلْتُهُ فَأَعْطَانِي، ثُمَّ سَأَلْتُهُ فَأَعْطَانِي، ثُمَّ قَالَ: (يَا حَكِيمُ، إِنَّ هَذَا المَالَ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ، فَمَنْ أَخَذَهُ بِسَخَاوَةِ نَفْسٍ بُورِكَ لَهُ فِيهِ، وَمَنْ أَخَذَهُ بِإِشْرَافِ نَفْسٍ لَمْ يُبَارَكْ لَهُ فِيهِ، كَالَّذِي يَاكُلُ وَلا يَشْبَعُ، والْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنْ الْيَدِ السُّفْلَى) .
قَالَ حَكِيمٌ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ لا أَرْزَأُ أَحَدًا بَعْدَكَ شَيْئًا حَتَّى أُفَارِقَ الدُّنْيَا، فَكَانَ أَبُو بَكْرٍ - رضي الله عنه - يَدْعُو حَكِيمًا إِلَى الْعَطَاءِ فَيَابَى أَنْ يَقْبَلَهُ مِنْهُ، ثُمَّ إِنَّ عُمَرَ - رضي الله عنه - دَعَاهُ لِيُعْطِيَهُ فَأَبَى أَنْ يَقْبَلَ مِنْهُ شَيْئًا، فَقَالَ عُمَرُ: إِنِّي أُشْهِدُكُمْ يَا مَعْشَرَ المُسْلِمِينَ عَلَى حَكِيمٍ أَنِّي أَعْرِضُ عَلَيْهِ حَقَّهُ مِنْ هَذَا الْفَيْءِ فَيَابَى أَنْ يَاخُذَهُ، فَلَمْ يَرْزَا حَكِيمٌ أَحَدًا مِنْ النَّاسِ بَعْدَ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - حَتَّى تُوُفِّيَ" [1] ."
وَمِن ذَلكَ أيضًا مَا جَاءَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ - رضي الله عنه - قَالَ: لَمَّا أَعْطَى رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - مَا أَعْطَى مِنْ تِلْكَ الْعَطَايَا فِي قُرَيْشٍ وَقَبَائِلِ الْعَرَبِ، وَلَمْ يَكُنْ فِي الأَنْصَارِ مِنْهَا شَيْءٌ وَجَدَ هَذَا الحَيُّ مِنْ الأَنْصَارِ فِي أَنْفُسِهِمْ، حَتَّى كَثُرَتْ
(1) ـ رواه البخاريّ في كتاب الزكاة برقم 1379، ومسلم في كتاب الزكاة برقم 1717.